وكان كعب بن زهير إذا أنشد قصيدة صنع لها خطبة في الثناء عليها، وكان يقول عند إنشادها: لله دري! وأي علم بين جنبي! وأي لسان بين فكي! الجاحظ: ولو لم يصف الطبيب مصالح دوائه للمتعالجين لما كان له طالب، ولا فيه راغب.
ولما أبدع ابن المقفع في رسالته، سماها اليتيمة تنزيلها لها عن المثل، ولو لم ينحلها هذا الاسم لكانت كسائر رسائله، فسكنت من القلوب موضع إرادته من تعظيمها.
استصحب هشام بن عبد الملك الفرزدق إلى مكة، فأعطاه أربع مائة درهم، فتسخطها وهجاه بقوله:
يرددني بين المدينة والتي ... إليها قلوب الناس يهوى منيبها
يقلب رأساً لم تكن رأس سيد ... وعيناً له حولاء باد عيوبها
فكتب إلى خالد القسري أن أوثقه بالحديد، ففعل، وبلغ ذلك جريراً فوفد على خالد، فقال له: ألا يسرك أن الله قد أخزى الفرزدق؟ فقال: أيها الأمير، ما أحب والله أن يخزيه الله إلا بشعري، وتشفع له، فقال خالد: اشفع إلي فيه على رؤوس الملأ ليكون أذل له، فشفع له على رؤوس الأشهاد، فدعا خالد بالفرزدق وقال: إن جريراً قد شفع فيك وإني مطلقك بشفاعته، فقال الفرزدق: أسير قسري، وطليق كلبي! بأي وجه أفاخر العرب بعدها؟ ردوني إلى السجن.
سمع الفرزدق الفضل بن العباس اللهبي يقول:
وأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة من بيت العرب
من يساجلني يساجل ماجداً ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب
فقال: بم أساجلك؟ فقال:
برسول الله وابني عمه ... وبعباس وعبد المطلب
فقال: أعض الله من يساجلك بما أبقت المواسي من أمه.
ذكر أعرابي قوماً فقال: ما نالوا شيئاً بأناملهم إلا وطئناه بأخامص أقدامنا، وإن أقصى مناهم لأدنى فعالنا.
نظر رجل إلى ولد أبي موسى يختال، فقال: يمشي كأن أباه خدع عمراً.
وسمع الفرزدق أبا بردة يقول: كيف لا أتبختر وأنا ابن أحد الحكمين؟ فقال له: أحدهما مائق والآخر فاسق، فكن ابن أيهما شئت.
ونظر عمر بن عبد العزيز إلى علوي يمشي مشية منكرة، فقال: يا هذا، إن الذي شرفت به لم تكن هذه مشيته.
فلان يطعم الأرض فضل ثيابه.
فلان وضع نفسه في درجة لو سقط منها لتكسر.
الحسن: لو كان الرجل كلما قال أصاب، وكلما عمل أحسن أوشك أن يجن من العجب.
نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي دجانة يتبختر بين الصفين، فقال: هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا المكان.
عبد الله عبد المطلب أبو رسول الله:
لقد علم السادات في كل بلدة ... بأن لنا فضلاً على سادة الأرض
وأن أبي ذو المجد والسؤدد الذي ... يساد به ما بين نشز إلى خفض
وجدي وآباءله أثلوا العلى ... قديماً بطيب العرق والحسب المحض
الجاحظ: المذكورون بالكبر من قريش بنو مخزوم وبنو أمية، ومن العرب بنو جعفر بن كلاب وبنو زرارة بن عدس. وأما الأكاسرة فكانوا لا يعدون الناس إلا عبيداً، وأنفسهم إلا أرباباً. والكبر في الأجناس الذليلة أرسخ، ولكن القلة والذلة مانعتان من ظهور كبرهم. والجملة أن من قدر من الوضعاء أدنى قدره ظهر من كبره ما لا خفاء به.
وشيء قد قلته علماً وهو أني لم أر ذا كبر قط على من دونه إلا وهو يذل لمن فوقه بمقدار ذلك ووزنه.
وقال: وأما بنو مخزوم وبنو أمية وبنو جعفر بن كلاب واختصاصهم بالتيه فإنه أبطرهم موجدوه لأنفسهم من الفضيلة، ولو كان في قوى عقولهم فضل على قوى دواعي الحمية فيهم لكانوا كبني هاشم في تواضعهم وإنصافهم لمن دونهم.
ولما بلغ الحسن بن علي رضي الله عنه قول معاوية: إذا لم يكن الهاشمي جواداً، والأموي حليماً، والعوامي شجاعاً، والمخزومي تياهاً، لم يشبهوا آباءهم، قال: إنه والله ما أراد بها النصيحة، ولكن أراد أن يفني بنو هاشم ما بأيديهم فيحتاجون إليه، وأن تحلم بنو أمية فيحبهم الناس، وأن يشجع بنو العوام فيقتلوا، وأن يتيه بنو مخزوم فيمقتوا.
وكان يقال: أربعة لم يكونوا، ومحال أن يكونوا: زبيري سخي، ومخزومي متواضع، وشامي صحيح النسب، وقرشي يحب آل محمد.
عبد الأعلى بن عبد الرحمن البصري في محمد بن أبي الشوارب:
إني رأيت محمداً متشاوساً ... مستصغراً لجميع هذا الناس