الحسن: لقد صحبت أقواماً، إن الرجل لتعرض له الكلمة من الشهرة، لو نطق بها لنفعته ونفعت أصحابه، فما يمنعهم منها إلا مخافة الشهرة.
فضيل: كان إذا جلس إليه أربعة أو أكثر قام مخافة الشهرة.
ابن سيرين: لم يمنعني من مجالستكم إلا مخافة الشهرة، فلم يزل بي البلاء حتى أخذ بلحيتي، وأقمت على المصطبة، وقيل هذا ابن سيرين.
كان أيوب السختياني يخفي زهده، وما رئي أحد أشد تبسماً في وجوه الرجال منه، ودخلوا عليه فإذا على فراشه مجلس أحمر، فرفعوه فإذا خصفه محشوة بليف، وكان يقوم الليل، فإذا كان من آخر اليل يرفع صوته، يوهم أنه قام تلك الساعة. وكان يقول أهلكت المعرفة، والله إني أخاف أن أكون بها شقياً.
معمر رأيت قميص أيوب يكاد يمس الأرض، فقلت: ما هذا؟ قال: إنما كانت الشهرة فيما مضى في تذييلها، واليوم الشهرة في تقصيرها. وكان يقول للخياط: اقطع وأطل، فإن الشهرة اليوم في القصر.
النمري:
يقولون في بعض التذلل عزة ... وعادتنا أن ندرك العز بالعز
أبى الله لي والأكرمون عشيرتي ... مقامي على دحض ونومي على خز
ذكرت البيوتات عند هشام بن عبد الملك فقال: البيت ما كان له سالفة، ولاحقه، وعماد حال، ومساك دهر. فإذا كان كذلك فهو بيت قائم.
أراد بالسالفة ما سلف من شرف الآباء، وباللاحقة ما لحق من شرف الأبناء، وبعماد الحال الثروة، وبمساك الدهر الجاه عند السلطان.
اصطنع أنوشروان رجلاً، فقيل له: إنه لا قديم له. فقال: اصطناعنا إياه بيته وشرفه.
لي همة لو غرقت الدنيا فيها ما طلبت إلا بالغاصة، ولو كانت الليل ما تنفس فيها الصبح.
شاعر
ولي همة أسمو بها وعزيمة ... تبلغني أعلى من السرطان
إذا النفس لم تبعثك في طلب العلى ... فتلك من الأموات لا الحيوان
الأمير الصليحي:
ولي همة تعلو على كل همة ... ولي أمل يعلو على كل آمل
ولي صرخة تعلو على كل صرخة ... صليحية ليست بهبش القبائل
قيل للعتابي: فلان بعيد الهمة، قال: إذن لا تكون له غاية دون الجنة.
يقال: فلان بعيد المنزعة، أي الهمة.
أتى دكين الشاعر عمر بن عبد العزيز بعد ما استخلف يستنجز وعداً كان وعده إياه، قال: فقال لي يا دكين إن الله وضع بين جنبي نفساً نزاعة إلى معالي الأمور، نزعت إلى إمارة المدينة فرزقتها. ونزعت إلى إمارة الحجاز فنالتها، فنزعت إلى الخلافة فما حظيت بها قالت هي الفوز بالدنيا كلها، فتاقت إلى الآخرة وترقت بهمتها إلى الجنة، وما رزأت من أموال المسلمين شيئاً، وما عندي إلا الفا درهم، فأعطاني ألفاً وقال: خذها بارك الله لك فيها، فابتعت بها إبلاً وسقتها إلى البادية، فرمى الله في أدنابها بالبركة، ورزقني ما ترون.
يقال: همته ترمي به وراء سنه مرمى بعيداً.
بعضهم: إني لأعشق الشرف كما يعشق الجمال.
قال معاوية لعرابة بن أوس: أنت الذي يقول لك الشماخ:
رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
فيم سدت قومك؟ قال: والله ما أنا بأكرمهم حسباً، ولا بأفضلهم نسباً، ولكني أعرض عن جاهلهم، وأسمح لسائلهم. فمن عمل عملي فهو مثلي، ومن زاد فهو أفضل مني، ومن قصر فأنا أفضل منه، قال معاوية: هذا والله الكرم والسؤدد.
مخرمة بن عبد الملك: ما رأيت من العلماء أهيب من الشافعي من بعيد، ولا أبر وأكرم منه من قريب.
هو في عيش غريض وجاه عريض.
الشعبي: كان درة عمر أهيب من سيف الحجاج. ولما جيء بالهرمزان ملك خوزستان أسيراً إلى عمر لم يزل الموكل به يقتفي أثر عمر حتى عثر عليه بالمسجد نائماً متوسداً درته. فلما رآه الهرمزان قال: هذا والله الملك الهني عدلت فأمنت فنمت: والله إني خدمت أربعة من ملوكنا الأكاسرة أصحاب التيجان فما هبت أحداً منهم هيبتي لصاحب هذه الدرة.
الأخطل في عبد الملك بن مروان:
وترى عليه إذا العيون رمقته ... سيما التقي وهيبة الجبار
تذاكروا أشراف الجاهلية في مجلس فيه عبد الله بن الزبير فقال: إن كنتم لابد فاعلين فاذكروا عبد الله بن جدعان، فما اقتسم الشرف إلا بعده.