ففطنت الجارية، فحكت لمولاتها، فقالت: أذهبي إليه فأعلميه أني قد وهبتك له. فعادت إليه، فلما رآها مقبلة أعاد الغناء، فانكبت عليه، فقال: كفي، فقالت:قد وهبتني لك مولاتي، وأنا الرسول، فقال: أما الآن فنعم.
أنشد المبرد:
ما أن دعاني الهوى لفاحشة ... إلا عصاه الحياء والكرم
فلا إلى محرم مددت يدي ... ولا مشت بي لريبة قدم
طلب عمر بن عبد العزيز رحلاً لمصحفه، فأتي برحل فأعجبه، فقال: من أين أصبتموه؟ فقيل: عمل من خشبة وجدت في بعض الخزائن، قال: قوموه في السوق، فقوم بنصف دينار، فقال: ضعوا في بيت المال ديناراً، فقيل: لم يقوم إلا بنصف دينار، فقال: ضعا في بيت المال دينارين.
عيسى عليه السلام، لا تكن حديد النظر إلى ما ليس لك. فإنه لن يرى فرجك ما حفظت عينيك، فإن استطعت أن لا تنظر إلى ثوب المرأة التي لا تحل لك فافعل، ولن تستطيع ذلك إلا بإذن الله.
/باب
التعجب، وذكر العجائب والنوادر
وما خرج من العادات علي بن ربيعة: شهدت علياً رضي الله عنه، فأتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم قال: الحمد لله والله أكبر ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقلت: يا أمير المؤمنين، من أي شيء تضحك؟ قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل ما فعلت أنا ثم ضحك، فقلت: يا رسول الله، من أي شيء تضحك؟ قال: إن ربك يعجب من عبده إذا قال اغفر لي ذنوبي وهو يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري.
وعنه رضي الله عنه: إن ربك يعجب من الشاب ليست له صبوة.
وعنه: عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل وهم كارهون.
علي رضي الله عنه: عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب، ويفوته الغنى الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء. وعجبت للمتكبر الذي كان بالأمس نطفة ويكون غداً جيفة. وعجبت لمن شك في الله وهو يرى خلق الله، وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى من يموت. وعجبت لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى. وعجبت لعامر دار الفناء وتارك دار البقاء.
قعنب بن أم صاحب
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
نظرت فيه نظر المعجب به لا المتعجب منه، وذكرت قول أرسطاليس: أما التعجب من مناقبك فقد أسقطه تواترها، فصارت كالشيء المألوف الذي لا يتعجب منه.
وقيل لبحار: ما أعجب ما رأيت من عجائب البحر؟ قال: سلامتي منه.
ركب أعرابي البحر فرأى من أمواجه الأهوال، ثم ركبه مرة أخرى وهو ساكن، فقال: لا يغرني حلمك فعندي من جهلك العجائب.
قيل لبرزجمهر: من أعلم الناس بالدنيا؟ قال: أقلهم منها تعجباً.
اسمع المعتز عبيد الله بن عبد الله بن طاهر غناء حظية له وقال: كيف تراها؟ فقال: يا أمير المؤمنين، حظ العجب منها أكثر من حظ العجب بها.
برزجمهر: العجب ممن يعرف ربه ثم يغفل عنه طرفة عين.
قيل للمشعبذ أبو العجب، قال أبو تمام:
وحادثات أعاجيب خساً وزكاً ... ما الدهر في فعله إلا أبو العجب
وقال ابن الرومي في البحتري:
أولى بمن عظمت في الناس لحيته ... من حاكة الشعر أن يدعى أبا العجب
الجد أعمى ولولا ذاك لم تره ... في البحتري بلا عقل ولا أدب
لو قيل: أي شيء أعجب عندك؟ لقلت: قلب عرف الله ثم عصى.
كان ببابل سبع مدائن، في كل مدينة أعجوبة: في إحداها تمثال الأرض،فإذا التوى على الملك بعض أهل مملكته بخراجهم خرق أنهارها عليهم في التمثال، فلا يطيقون سد البثق حتى يعتدلوا وما لم يسد في التمثال لم يسد في ذلك البلد.
وفي الثانية حوض، فإذا أراد الملك أن يجمعهم لطعامه أتى كل واحد بما أحبه من شراب، فصبه في ذلك الحوض، فاختلطت الأشربة، فكل من سقي منه كان شرابه الذي جاء به.
وفي الثالثة طبل، إذا أرادوا أن يعلموا حال الغائب عن أهله قرعوه، فإن كان حياً صوت، وإن كان ميتاً لم يسمع له صوت.
وفي الرابعة مرآة، فإذا أرادوا أن يعلموا حال الغائب نظروا فيها، فأبصروه على أية حالة هو عليها كأنهم يشاهدونه.