وفي الخامسة أوزة من نحاس، فإذا دخل الغريب صوتت الأوزة صوتاً يسمعه أهل المدينة.
وفي السادسة قاضيان جالسان على الماء، فيأتي الخصمان فيمشي المحق على الماء حتى يجلس مع القاضي، ويرتطم المبطل.
وفي السابعة شجرة ضخمة لا تظل ساقها، فإن جلس تحتها أحد أظلته إلى ألف رجل، فإن زاد على الألف واحد جلسوا كلهم في الشمس.
الخليل في سليمان بن حبيب:
وزلة يكثر الشيطان إن ذكرت ... منها التعجب جاءت من سليمانا
لا تعجبن لخبز زل عن يده ... فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا
ورد على قلبي منه ما طبقه عجباً إن لم يطبقه شجباً:
الدهر فيه لمن تعجب عبرة وعجائب
الظبي يخضم الحنظل خضماً وماؤه يسيل من شدقيه، وأنت تتبين فيه الاستلذاذ له والاستحلاء لطعمه، ويرد البحر فيشرب الماء الأجاج كما تغمس الشاة لحييها في الماء العذب. فأي شيء أعجب من حيوان يستعذب ملوحة البحر، ويستحلي مرارة الحنظل؟ عن عبد الرحمن بن عدي: سمعت أبا هريرة يقول: ضرس الكافر مثل أحد. فقلت في نفسي: فكيف برأسه؟ فكيف بيده؟ كالشاك، فأريت في النوم من القابلة أن بثرة خرجت في خنصري فملأت المدينة. فقيل لي: هذا لشكك في قول أبي هريرة.
عن أبي عقيل: كنت عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى مروان بن الحكم بحبال وفعلة، يريد أن يزيد درجات على منبر رسول الله، وذلك بأمر معاوية، فزلزت الأرض، وخسفت الشمس، وبدت النجوم، واصطفقت القناديل.
كان في زمن بني إسرائيل جارية متعبدة، تسمى سوسن، تخرج إلى مصلى يليه شيخان، وكان بجنبه بستان تتوضأ فيه، فعلقها الشيخان، فراوداها عن نفسها، فأبت، فقالا: لئن لم تمكيننا من نفسك لنشهدن عليك بالزنا؛ فقالت: الله كافي شركما. ففتحا باب البستان وعيطا، فغشيهما الناس، فقالا: وجدناها مع شاب يفجر بها وانفلت من أيدينا. وكانوا يقيمون الزاني للناس ثلاثة أيام، ثم يرجم. فأقاموها، وكانا يدنوان منها يضعان يديهما على رأسها، ويقولان: الحمد لله الذي أنزل بك نقمته. فلما أريد رجمها تبعهم دانيال وهو ابن ثنتي عشرة أول ما تنبأ، فقال: لا تعجلوا، أنا أقضي بينهم. فوضع له كرسي، ففرق بين الشيخين، وهو أول من فرق بين الشهود، فقال لأحدهما: ما رأيت؟ فذكر حديث الشاب، فقال: أي مكان من البستان؟ فقال: تحت الشجرة الكمثري. وسأل الآخر فقال: تحت الشجرة التفاح. وسوسن رافعة يديها تدعو بالخلاص. فأنزل الله ناراً فأحرقت الشاهدين، وأظهر براءتها.
عن الشافعي رحمه الله: بينا أنا أدور في طلب العلم فدخلت بلدة من بلاد اليمن، فرأيت فيها إنساناً من وسطه إلى أسفله بدن امرأة، ومن وسطه إلى فوقه بدنان متفرقان بأربع أيد ورأسين ووجهين، وهما يتقاتلان ويتلاطمان ويصطلحان، ويأكلان ويشربان. ثم غبت عنهما سنتين ورجعت، فسألت عنه، فقيل لي: أحسن الله عزاءك في الجسد الواحد، توفي فربط من أسفله بحبل وثيق، وترك حتى ذبل وقطع، فلعهدي بالجسد الآخر في السوق ذاهباً وجائياً.
قال: ورأيت باليمن أعميين يتقاتلان وأبكم يصلح بينهما.
وقال: باليمن قوم يشق أحدهم لحمه ثم يرده فيلتئم من ساعته. ويقال: إن غداء أولئك اللسان.
وقال: رأيت باليمن بنات سبع يحضن كثيراً.
وقال: رأيت بالمدينة ثلاث عجائب لم ار مثلها في موضع قط. رأيت رجلاً فلس في مد من نوى، فلسه القاضي. ورأيت رجلاً له سن شيخ كبير خضيب، يدور على بيوت القيان ماشياً يعلمهن الغناء، فإذا حضرت الصلاة صلى قاعداً، ورأيت رجلاً أعسر، يكتب بشماله يسبق من يكتب بيمينه.
باب
العشق، وذكر من بلي به وقال فيه الشعر
ومن مات منهم كمداً، ومن رق لهم وترحم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم: من عشق فعف وكتم ثم مات مات شهيداً.
لما أعتقت عائشة رضي الله عنها جاريتها بريرة، وكان زوجها حبشياً، اسمه مغيث، خيرت بين الإقامة معه وبين مفارقته، فاختارت المفارقة، فكانت إذا طافت بالبيت طاف مغيث خلفها، ودموعه تسيل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه العباس: يا عم أما ترى حب مغيث لبريرة؟ لو كلمناها أن تتزوجه! فدعاها وكلمها، فقالت: يا رسول الله إن أمرتني فعلت، قال: أما أمر فلا، ولكن أشفع. فأبت أن تتزوجه. قال الراوي: فهذا من قد رآه رسول الله، وشهد لشدة عشقه، وشفع في بابه.