روي أن رجلاً من الأولين كان يأكل، وبين يديه دجاجة مشوية، فجاء سائل فرده خائباً. وكان الرجل مترفاً. فوقعت بينه وبين امرأته فرقة، وذهب ماله، وتزوجت، فبينما زوجها الثاني يأكل، وبين يديه دجاجة مشوية، إذ جاء سائل، فقال لزوجته: ناوليه الدجاجة، فناولته، ونظرت فإذا زوجها الأول، فأخبرته بالقصة، فقال الثاني: وأنا والله ذلك المسكين، خيبني فحول الله نعمته وأهله إلي لقلة شكره.
استبطأ سعيد بن سلم أحمد بن أبي خالد في حاجة لرجل، فقال: قد اجتهدت فلم تعن المقادير. فقال سعيد: إنما يعاتب الأديم ذو الشره. بل لم تحب أن تسعى في أمر، وأنشد:
إذا عيروا قالوا مقادير قدرت ... وما العار إلا ما تجر المقادر
ثم قال:
ستعزل إن عزلت ولا يساوي ... صنيعك في صديقك نصف مد
الطعام وألوانه، والإطعام والضيافة
والأكل والأكلة، والجوع والشبع، وما يتعلق بذلك.
المقدام بن يكرب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطن، بحسب الرجل من طعمه ما أقام صلبه. أما إذا أبيت ابن آدم فثلث طعام وثلث شراب وثلث نفس " حذيفة. عنه عليه السلام : من قل طعمه صح بطنه وصفاً قلبه، ومن كثر طعمه سقم بطنه وقسا قلبه.
وعنه عليه السلام: لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فإن القلب يموت كالزرع بكثرة الماء.
عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: أكلت يوماً ثريداً ولحماً سميناً، ثم أتيت رسول الله وأنا أتجشأ، فقال: فقال: احبس جشاءك يا أبا جحيفة، إن أكثرتم شبعاً في الدنيا أكثركم جوعاً في الآخرة. فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى قبضه الله.
أكل علي رضي الله عنه من تمر دقل ثم شرب عليه الماء، وضرب على بطنه وقال: من أدخل بطنه النار فأبعده الله، ثم تمثل
فإنك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
كان علي رضي الله عنه يفطر ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند عبد الله بن جعفر، لا يزيد على اللقمتين أو الثلاث، فقيل له، فقال: إنما هي ليال قلائل حتى يأتي أمر الله وأنا خميص البطن. فقتل في ليلته.
الحسن: لقد أدركت أقواماً ما كان يأكل أحدهم إلا في ناحية من بطنه ما شبع رجل منهم من طعام حتى فارق الدنيا. كان يأكل فإذا قرب شبعه أمسك.
أنشد المبرد:
فإن امتلاء البطن في حسب الفتى ... قليل الغناء وهو في الجسم صالح
عيسى عليه السلام: يا بني إسرائيل، لا تكثروا الأكل، فإنه من أكثر الأكل أكثر النوم، ومن اكثر النوم أقل الصلاة، ومن أقل الصلاة كتب من الغافلين.
سئل فضيل عمن يترك الطيبات من الحواري واللحم والخبيص للزهد. فقال: وما أكل الخبيص! ليتك تأكل وتتقي الله، إن الله لا يكره أن تأكل الحلال إذا اتقيت الحرام. انظر كيف برك بوالديك وكيف صلتك للرحم، وكيف عطفك على الجار، وكيف رحمتك للمسكين، وكيف كظمك للغيظ، وكيف عفوك عن ظلمك، وكيف إحسانك إلى من أساء إليك، وكيف صبرك واحتمالك للأذى. أنت إلى أحكام هذا أحوج منك إلى ترك الخبيص.
قيل العامر بن عبد قيس ما تقول في الإنسان؟ قال: ما أقول فيمن إذا جاع ضرع وإذا شبع طغى.
كان فرقد السبخي لا يأكل الخبيص، ويقول أخشى أن لا أقوم بشكره، وكان الحسن ينكر عليه، ويقول إذا قدم طعامه: هلموا إلى طعام الأحرار، لا صحناة فرقد، ولا قرص ممالك بن دينار.
كان سليمان بن داود عليه السلام يأكل خبز الشعير ويطعم الناس الحُواري.
النبي صلى الله عليه وسلم: ما زين الله رجلاً بزينة أفضل من عفاف بطنه.
قال عمرو بن عبيد: ما رأيت الحسن ضاحكاً إلا مرة، قال رجل من أصحابه: ما آذاني طعام قط، فقال آخر: أنت لو كانت في معدتك الحجارة لطحنته.
الخليل: أثقل ساعاتي على ساعة آكل فيها. وما هي إلا سجية مكية، ومن ذلك قول الإمام عبد القاهر:
لولا قضاء جرى نزهت أنملتي ... عن أن تلم بمأكول ومشروب
فضيل: أتخال أن تجوع؟ لا تخف، أنت أهون على الله من ذلك إنما كان يجوع محمد وأصحابه.
وعنه: أجمعت العرب على أن الشبع لؤم.
وعنه: خصلتان تقسيان القلب، كثرة الأكل، وكثرة الكلام.
قيل ليوسف عليه السلام: ما لك لا تشبع وفي يدك خزائن الأرض؟ فقال: إني إذا شبعت نسيت الجائعين.