طويل الباع أبلج عبشمياً ... أعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأن ركباً ... عليها من بني حام قعودا
أبا وهب جزاك الله خيراً ... نحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد إن الكريم له معاد ... وظني يا ابن أروى أن تعودا
فقال لبيد: أحسنت لو لا أنك سألت. فقالت: يا أبه، إن الملوك لا يستحي منهم في المسألة. فقال: أن في هذا أشعر.
وفد رجل من بني ضبة على يد عبد الملك فأنشده:
والله من ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحداً سواك إلى المكارم ينسب
فاصبر لعادتك التي عودتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب
فأمر له بألف دينار. فعاد إليه من قابل وأنشده:
وليس كبانٍ حين تم بناؤه ... تتبعه بالنقض حتى تهدما
فأمر له بألف. فاد في الثالثة فأنشده: يعودون بالإحسان عوداً على بدء.
وقال: يا أمير المؤمنين، إن الروي لينازعني، وإن الحياء ليمنعني. فأمر له بألف، وقال: والله لو قلت حتى تنفذ بيوت الأموال لأعطيتك.
ظلم كبير من الأموية حجازياً، فما تظلم منه إلى أحد إلا ضلع للأموي عليه، فخرج إلى سليمان وجعل لخصي أثير عنده مائتي دينار ليوصله إليه خالياً، فأوصله إليه حين سلم في صلاته، وجعل يدعو ويخطر بإصبعه نحو السماء ويتضرع، فلما رآه كذلك رجع ومر. فسأل عنه وأمر بطلبه حتى صودف خارجاً من باب دمشق. فأدخل عليه بعنف شديد وإلحاح فقال له: ما شأنك؟ قال: جددت في التوصل إليك، فلما رأيتك تخطر بإصبعك نحو السماء علمت أني قد أخطأت موضع طلب الحاجة، فرجعت لأطلبها من حيث طلبت أنت حوائجك. فبكى سليمان وقال: إن الذي طلبت منه حاجتك قد قضاها، وأمر برد ما أخذ منه، وأعطاه ما يصلح به حاله، ووصله وكساه، وأمر له بفرائض.
من عبد الله بن حسن بن حسن: أتيت باب عمر بن عبد العزيز في حاجة، فقال لي: إذا كانت لك حاجة فأرسل إلي رسولاً أو اكتب إلي كتاباً، فأني لأستحي من الله أن يراك على بابي.
كان لخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد قصر بحيال قصر يزيد بن عبد الملك، فقال له يوماً: لأمير المؤمنين إليك حاجة، قال: لا يدفع عنها. قال: أسألك القصر، قال: هو لك. قال: فلك به خمس حوائج فسل، قال: أولها القصر، قال: هو لك وقضى له الأربع البواقي.
أتى علياً رضي الله عنه أعرابي فقال: والله يا أمير المؤمنين ما تركت في بيتي لا سيداً ولا لبداً، ولا ثاغية ولا راغية. فقال: والله ما أصبح في بيتي فضل عن قوتي. فولى الأعرابي وهو يقول: والله ليسألنك الله عن موقفي بين يديك. فبكى بكاء شديداً. وأمر برده واستعادة كلامه. ثم بكى فقال: يا قنبر أتني بدرعي الفلانية، ودفعها ذلك الأعرابي وقال: لا تخدعن عنها فمالم كسفت بها الكرب عن وجه رسول الله.ثم قال قنبر: كان يجزيه عشرون درهماً. قال: يا قنبر والله ما يسرني أن لي زنة الدنيا ذهباً أو فضة فتصدقت وقبله الله مني، وأنه سألني عن موقف هذا بين يدي.
علي رضي الله عنه: أن لكل شيء ثمرة، وثمرة المعروف تعجيل السراح.
قدم دهقان أصبهان على معاوية فلم يجد من يكلمه في حاجته، فقيل له: ليس لها إلا عبد الله بن جعفر، فكلمه الدهقان وبذل له ألف ألف درهم. فكلم معاوية فقال: أردنا أن نصلك بألف ألف فربحناها. فقال عبد الله قد ربحت وربحنا شكر الدهقان. فلما قضى حاجته أكب عليه الدهقان يقبل أطرافه ويقول: أنت قضيتها لا أمير المؤمنين، وحمل إليه المال، فقال: ما كنت لآخذ على معروفي أجراً. وبلغ الخبر معاوية فبعث إليه ألف ألف درهم، فلم يقبلها وقال: لا أقبل ما هو عوض مما تركت. فقال معاوية: لوددت أنه من أمية وأني مخزوم ببره.
كان نذر عبد الملك أن أمكنه الله من ابن الرقيات أن يقتله، فاستجار بعبد الله وسأله مسألة عبد الملك أن يصفح عن جرمه ويرد عليه عطاءه. فأقام ابن جعفر حتى قضى حوائجه ونسي حاجة ابن الرقيات، وانصرف عن الشام إلى المدينة. فلقيه وسأله عن القيام بحاجته، فصاح يا غلمان ردوا علي ركابي. فتعلق به ابن قيس وقال: بالله دعه إلى أن يحدث الله لك سفراً آخر. فقال: والله لابت إلا على سفر. فذهب إلى الشام حتى قاضى حاجته.