وعن العباس لما ولي الناس يوم حنين: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، آخذاً بثفر بغلته الشهباء فشجرتها بالحكمة وكنت رجلاً صيتاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين رأى من الناس من رأى وأنهم لا يلوون على شيء، يا عباس أصرخ: يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة فناديت، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها.
أتى عبد الملك بن صالح وفود من الروم فأخفى بعض من في المجلس عطسته، فقال له: هلا إذ كنت ليئم العطاس، كز الخيشوم أتبعت عطستك صرخة تخلع بها قلب العلج! وكان الرشيد جمهورياً فقال فيه بعض العرب وهو يطوف بالبيت:
جهير الكلام جهير العطاس ... جهير الرواء جهير النعم
ويخطو على الأين خطو الظليم ... ويعلو الرجال بخلق عمم
الجاحظ: كان أبو ديومه مولى آل زياد ينهق بباب الكرخ بحضرة المكارين فلا يبقى حمار مريض ولا هرم ولا حسير متعب إلا نهق. وقيل تسمع نهيق الحمار على الحقيقة فلا تنبعث حتى كان أبو ديوبه يحركها. وكان يجمع جميع صور نهيق الحمار فيجعلها في نهيق واحد، وكذلك كان في نباح الكلاب.
قيل لرجل من العرب: ما الجمال؟ فقال: غؤور العينين، وإشراف الحاجبين، ورحب الأشداق، وبعد الصوت.
سأل الحجاج جلساءه عن أرق الصوت عندهم، فقال أحدهم: ما سمعت صوتاً أرق في سمعي من صوت قارئ حسن القراءة لكتاب الله في جوف الليل. قال: إن ذلك لحسن. وقال آخر: ما سمعت صوتاً أعجب من أن أترك امرأتي ماخضاً وأخرج إلى المسجد مبكراً فيأتيني آت فيبشرني بغلام. فقال: واحسناء! فقال شعبة بن علقمة التميمي: لا والله ما سمعت صوتاً قط أعجب إلي من أكون جائعاً فأسمع خفخفة الخوان. فقال الحجاج: أبيتث يا بني إلا حب الزاد.
قيل لمخنث: أي الأصوات أحب إليك؟ قال: نشنشة القلية، وقرقرة القنينة، وخفخفة الخوان، وفشفشة التكة.
كان المفضل يروي بيت أوس تصمت بالماء تولياً جذعاً، فقال له الأصمعي: أخطأت إنما هو جدعا وهو السيئ الغذاء، وتكلم المفضل ورفع صوته، فقال له: إن رفع الصوت لا يغني عنك ولو نفخت بالشبور تكلم كلام النمل وأصب.
سمع سعيد بن المسيب ذات ليلة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن عبد العزيز يجهر القراءة في صلاته، وكان حسن الصوت، وهو إذ ذاك أمير المدينة، فرفع سعيد صوته وقال: يا أيها المصلين إن كنت تريد الله بصلاتك فاخفض صوتك، وإن كنت تريد الناس فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً، فسكت وخفف ركعتيه ثم أخذ نعليه وخرج.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قام أحدكم من الليل فليجهر بقراءته، فإن الملائكة وعمار الدار يستمعون إلى قراءته ويصلون بصلاته.
عن داود عليه السلام أنه كان يخرج إلى صحراء بيت المقدس يوماً في الأسبوع ويجتمع الخلق فيقرأ الزبور تلك القراءة الرخيمة الشجية، وله جاريتان موصوفتان بالقوة فيضبطان جسده ضبطاً خيفة أن تنخلع أوصاله مما كان ينتحب ويزفر، وتحتشد على قراءته الوحوش والطير.
وعن مالك بن دينار: بلغنا أن الله يقيم داود يوم القيامة عند ساق العرش فيقول: يا داود، مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم.
واستمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قراءة أبي موسى فقال: لقد أوتي هذا من مزامير آل داود. فبلغ ذلك أبو موسى فقال: يا رسول الله، لو أعلم أنك تسمع لحبرته لك تحبيراً.
أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنه رأت ملكاً. وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطاناً " وعن ابن عباس يرفعه: إن مما خلق الله لديكاً بقاثنه على الأرض السابعة السفلى، وعرفه مطوي تحت العرش، قد أحاط جناحاه بالأفقين، فإذا بقي ثلث الليل الآخر، ضرب بجناحيه ثم قال: سبحان الملك القدوس، سبحوا الملك القدوس، سبحان ربنا الملك القدوس إلا إله لنا غيره، فيسمعها من بين الخافقين كلا الثقلين.
قال محمد بن إسحاق: فيرون أن الديكة إنما تضرب بأجنحتها وتصرخ إذا سمعت ذلك.
جابر بن عبد الله يرفعه: إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمر بالليل فتعوذوا بالله، فإنهن يرين ما لا ترون.