تقول العرب: أبرد الأيام الأحص الورد، والأزب الهلوف. فالاحص الورد: المصحى الذي تصفر شماله وتحمر آفاقه. والأزب الهلوف: الذي تهب نكباؤه، ويكثر جهامه وقتلمه من قولهم لحية هلوفة كثيرة كبيرة.
وكل البرد الأيدى بالنحور، وأحمد الريق على الثغور.
قد أخصر الوجه لو جعلت ضحى ... ناراً تأجج فوق الوجه ما احترقا
الجاحظ: الماء ليس يجمد للبرد فقط، فقد تكون الليلة باردة جداً ولا تجمد الماء، وتجمد التي هي أقل برداً منها، وقد يختلف جمود الماء في الليلة الساكنة وذات الريح.
قال: وقد أخبرني من لا ارتاب بخبره أنهم كانوا في جبل يستغنون فيه عن لبس المبطنات، ومتى صبوا الماء في أناء من زجاج جمد من ساعته، فليس جمود الماء بالبرد فقط، ولابد من شركة ومقادير، واختلاف جواهر ومقابلات، كسرعة البرد في بعض الأدهان وابطائه عن بعض، وكأختلاف عمل البرد في الماء المغلي والمتروك على حاله. وقد رأيت أنا بالبادية الماء قد بلغ به البرد إلى حد ما كدت أطيق أن أباشره بثغرى خصراً، وهو مع ذلك على حالة لم يعمل فيه الجمود. وربما جمد ماء جيحون حتى بلغ غلظ الجمد فيه قيد ذراع فصاعداً، وشربه سهل لذيذ، لا يتكره الشارب أن يعبه عباً.
تقول العرب: الشتاء ذكر، والصيف أنثى، وذلك لقسوة الشتاء وشدته، ولين الصيف وهونه. ومن عادتهم أن يذكروا كل صعب قاس، قالوا: داهية مذكار، إذا كانت ذات مخاوف وافزاع، ويوم باسل ذكر. قال:
فإنك قد بعثت عليك نحسا ... شقيت به كواكبه ذكور
جعلها ذكورا لكون نحسها أفظع وأشد. والصيف وأن تلظى قيظه، وحمي صلاؤه، فهو بالقياس إلى الشتاء وهوله هين عندهم، لما يلقونه من البرح والبؤس الشديد، ولذلك قالت أم الحسن حين سئلت أيما أشد الشتاء أم الصيف؟ ومن يجعل الاذى كالزمانة؟ وروي: وما جعل البئيس إلى الأذية! ولذلك تجدهم لا يعدون أن يصفوا أوار الصيف، فإذا صاروا إلى الشتاء وعجوا من وطئه عجيجا، ونوهوا باسم من آسى فيه وواسى، وأوقد نويرة، وبذل طعيما.
ابن المعتز:
والريح تجذب أهداب الازار كما ... أفضى الشفيق إلى تنبيه وسنان
وله: ونسيم يبشر الأرض بالقط - ر كذيل الغلالة المبلول
ووجوه البلاد تنتظر الغي ... ث انتظار المحب رجع الرسول
أبو الفتح البستي:
سبحان من خص الفلز بعزة ... والناس مستغنون عن أجناسه
وأذل أنفاس الرياح وكل ذي ... نفس فمفتقر إلى أنفاسه
يقال للبرد المستطاب: برد الورد، وهو برد الربيع. كما يقال للبرد الكريه: برد العجوز. ويقال: أن برد الربيع مونق، وبرد الخريف موبق ابن خالويه:
إذا همذان اعتادها البرد وانقضى ... برغمك ايلول وأنت مقيم
فعينك عمشاء وأنفك سابل ... ووجهك مسود البياض بهيم
وأنت أسير لبرد تمشى تعلة ... على السيف تحبو مرة وتقوم
بلاد إذا ما الصيف أقبل جنة ... ولكنها عند الشتاء جحيم
هاج برد يحول بين الكلب وهريره، والأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره.
لما خلع المستعين قيل له: اختر بلداً تحله، فاختار البصرة، فقيلك هي حارة، فقال: أترونها أحر من فقد الخلافة! المأمون: من مروءة الرجل أن يوجد منه رائحة الطرفاء أيام الشتاء.
رائحة الطرفاء رائحة الظرفاء.
أبو حنيفة الدينوري: قيل للعواء عواء البرد، لأن البرد مسترعف بها، فإذا هي طلعت لم يأت إلا وهي منه في شباب، إلى أن يتناهى في بركي الشتاء.
وقال: لا يزال البرد راكداً يفري الفري، والثريا ترتقي، حتى إذا رئيت عشاء قد قممت، والشعريان قد استقلتا، وطلعت نثرة الأسد، فذلك حين وقعت عقارب البرد وتناهى قرصه وشدته.
تقول العرب: إذا رأيت الشعريين، يحوزهما الليل، فهناك لا يجد القر مزيداً.
وحوز الليل إياهما أن يكونا في حيزه فتطلعا بعد غروب الشمس، وتغيبا قبل طلوعها، فلا يكون للنهار فيهما نصيب، وذلك من لدن طلوع الهرارين إلى أن ينوء الذراع. وهو أخلص صميم الشتاء وأصرحه.
ويقولون: إذا أمسى النجم قم راس، فليله فتى وفاس. يعنون أن الفتى يحتطب فيها بالفأس، لأنه لابد له من الصلاء.