وقف أعرابي على قوم فقال: بدء شأني، والذي الجأني إلى مسألتكم، أن الغيث كان قد ثوى عنا، ثم تكرفأ السحاب، وشصا الرباب، فادلهم سيقه، وارتجس ريقه، وقلنا هذا عام باكر الوسمي، محمود السمي ثم هبت له الصبا فاحزالت طخاريره، وتقزع كرفئه متناسرا، ثم تتابع لمعان البرق، حيث تشيمه الابصار، وتحده الانظار، ومرت الجنوب ماءه، وفوض الحي لئمين نحوه فسرحنا فيه المال، وكان وخما وخيما، أشف المال، وأضف الحال، فبقينا لا تستر لنا حلوبة، ولا تنسل لنا قتوبة.
وفي ذلك يقول شاعرنا:
ومن يرع بقلا من سويقة يغتبق ... قراحاً ويسمع قول كل صديق
أي العذل، يقولون قد نهيناك.
التنوخي:
ورعدة كقارىء متمعتع ... أو خاطب لجلج لما أن خطب
كأسد يزأر أو جنادل ... تصطك أو أمواج بحر يصطخب
اعرابي: أتتنا داحية في ليل ساقط الرواق، منقطع النطاق، تنظف منه آذان المعزى إلى الصباح.
كتب جحظة إلى ابن المعتز: كنت على المصير إلى الأمير، فانقطع شريان الغمام، فقطعني عن الالمام. فكتب إليه: لئن قطعني السرور بك، لم يفتني بكلام والسلام.
يقول الدهاقين: مطر الربيع ماء كله. يريدون نفع كله، وذلك أن الماء حياة كل شيء، فمطر الربيع تحيا به الأرض، ولا يضيع منه شيء كما تضيع أمطار سائر الفصول.
أنشد الجاحظ:
خليلي لا تستسلما العام وادعوا ... به كل يوم أن يصوب ربيع
حيا لبلاد افحل المحل عودها ... وجبراً لعظم في شظاه صدوع
بمستنضد غر النشاص كأنها ... جبال عليهن النسور وقوع
عسى أن يحل الحي جرعاء وابل ... وعل النوى بالظاعنين تريع
أفى كل عام زفرة مستجدة ... تضمنها مني حشا وضلوع
قال بعض الحكماء الذين وقفوا على تابوت اسكندر: انظر إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى سحاب الصيف كيف انجلى؟ وللصاحب: سحابة الصيف أثبت من قولك، والخط في الماء أبقى من عهدك.
مطر مصر مثل في نافع يستضر به، لأن مصر لا تمطر، فان مطرت ضرها المطر، ولذلك يكرهه أهلها أشد الكراهية، فرحمة الله المجللة للخلق كلهم عذاب لهم. وفيهم:
وما خير قوم تجدب الارض عندهم ... بما فيه خصب العالمين من القطر
إذا بشروا بالغيث ريعت قلوبهم ... كما ريع في الظلماء سرب القطا الكدر
في وصف غيث: غثنا ما شئنا، فشبعنا وروينا، قد أرخت السماء عزاليها، واثعنجرت بصوب مآقيها، فغمر الماء الزبى، ونقع من الصدى، ولبست الارض قناعها الاخضر، ونضت شعارها الاغبر، وعاضنا الغض العميم، من المصوح الهشيم، وجزأنا بالرطب المخضوم، من اليابس المقصوم. فعاشت العاملة والماشية، وهاجت الآبية والعاشية، وارتجعت رذايا المطايا، ما اخذت منها المخارم والثنايا، وأنشأت تسترد بمشافرها، ما سلبها جذاب البرى بمناخرها. سائمة في العميم الكث، من الطباق والثث، وسارحة في المراح الفسيح، من القيصوم والشيح، فنحن في سوابغ من النعم، نرتع فيها رتعة النعم. قد عز عندنا أن يستضيف ضيفا كريم، واستغنى أن يسترضع لئيم. وأترعت الجفان رذما، واستحال القرم بشما، وحالت البطنة دون الفطنة. ومنع الطعام عن تراجع الكلام. فلو أن قساً بيننا لخرس، أو دغفلا لأبلس. وكأن الشاعر أرادنا بقوله:
أتانا وما داناه سحبان وائل ... بياناً وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللقم حتى كأنه ... من العي لما أن تكلم باقل
ابن المعتز:
ما زال يضرب وجه الأرض وابلها ... حتى وقت خدها الغدران والخضر
كأن ابن غاب غاب في حجراتها ... فغمغم من بعد الزئير وهمهما
أعرابي: إذا عددت من ناحية مائة برقة، احتملت على الثقة.
البستى:
لا ترج شيئاً خالصاً نفعه ... فالغيث لا يخلو من العيث
كشاجم:
يا رحمة الله التي قد أصبحت ... دون الأنام علي سوط عذاب
السري:
وعارض أكلأ منه بارقاً ... كالنار شبت في ذرى طود أشم
كأنه نشوان جر ذيله ... فكلما ريع انتضى عضبا خدم
إذا عم المطر الأرض حتى لا يكون فيها فتق، قالوا: أرض منضوحة.