لها، فحجبته وأغلقت بابها عليه؛ فشق ذلك عليه، وشكاه إلى خاصته، وأعيته الحيل فيها، وفي رضاها عنه؛ فقال له عمرو ابن هلال، وكان خصيصاً بيزيد ومعاوية، مالي عندك أن رضيت؟ قال: حكمك؛ فأتى بابها، فخرجت إليه مولياتها ونساؤها، فقال: قد عرفت الحرة مكاني من أمير المؤمنين، وقد وقع لي ما لابد من أن أفزع إليها، قتل أحد ابني الآخر، وأراد الخليفة قتل الآخر به، وأنا الولي وقد عفوت، وهو لا يسمع قولي، وقد رجوت أن يحيى الله ابني على يديها؛ فقالت: فما أصغ مع غضبي عليه؟ فلم يزلن بها حتى خرجت إليه، وأخذت برجله فقبلتها؛ فقال: هو لك، ولم يبرحا حتى أصطلحا. وقال لعمرو: حكمك؟ قال: مزرعة بعيدها وما فيها، وألف دينار، وفرائض لولدي وأهل بيتي؛ فقال: ذلك لك.
باب
الخير والصلاح، وذكر الأخيار والصلحاء
وصفاتهم وأحوالهم، وما جاء فيهم وعنهم
النبي صلى الله عليه وسلم: الخير عادة، والشر لجاجة.
صهيب عنه عليه الصلاة والسلام: عجباً لأمر المؤمن، وأن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، أن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له؛ وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له.
سئل علي رضي الله عنه عن الخير فقال: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم عملك، وأن تباهي الناس بعبادة ربك، فإن أحسنت حمدت الله، وأن أسأت أستغفرت الله، ولا خير في الدنيا إلا لرجلين: رجل أذنب ذنوباً فهو يتداركها بالتوبة، ورجل يسارع في الخيرات.
وفي وصيته رضي الله عنه: لقاء أهل الخيرات عمارة القلوب.
وعنه: من كانت فيه خلة من خلال الخير غفر الله له ما سواها لها.
وعنه: فاعل الخير خير منه، وفاعل الشر شر منه.
حكيم: الخير بطلب أهله، كما يطلب طير الماء الماء.
ابن عمر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة ألف بيت من جيرانه البلاء، ثم قرأ: " ولولا دفع الله الناس " الآية.
من رأيت فيه خصلة من الخير فلا تفارقه فإنه يصيبك من بركاته.
كان إبراهيم بن أدهم إذا نشط لعمل الخير أرتجز بقوله:
أجعل الله صاحبا ... ودع الشر جانبا
ألم تر أن سير الخير ريث ... وأن الشر صاحبه يطير
الربيع بن خثيم: ما خياركم اليوم بخيار، ولكن خير من شر منهم.
كان يجتمع في مجلس سفيان بن عيينة مائة ألف نفس، وكان يقول: أنا لكم مثل جبل أبي قبيس، أصعدوا علي وأطلعوا على التابعين.
علي رضي الله عنه: أين الذي دعوا إلى الاسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه وهيجوا إلى الجهاد فولهوا وله اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً، وصفاً صفاً، بعض هلك، وبعض نجا؛ لا يبشرون بالأحياء، ولا يعزون عن القتلى، مره العيون من البكا، خمص البطون من الطوى، ذبل الشفاه من الظمأ، صفر الألوان من السهر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أولئك أخواني الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ إليهم، وأن نعض الأيدي على فراقهم.
وعنه: كان لي فيما مضى أخ في الله، كان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه؛ وكان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد؛ وكان أكثر دهره صامتاً، فإن قال بذ القائلين، ونقع غليل السائلين؛ وكان ضعيفاً مستضعفاً، فإن جاء الجد فهو ليث عاد، وصل واد؛ لا يدلي بحجة حتى يأتي قاضياً؛ وكان لا يلوم أحداً على ما لا يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره؛ وكان لا يشكو وجعاً إلا عند برئه؛ وكان يفعل ما يقول، ولا يقول ما يفعل؛ وكان أن غلب على الكلام لم يغلب على السكوت؛ وكان على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم؛ وكان إذا بدهه أمران نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه؛ فعليكم بهذه الخلائق فالزموها، وتنافسوا فيها.
وعنه: المؤمن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أوسع شيء صدراً، وأذل شيء نفساً، يكره الرفعة، ويشنأ السمعة، طويل غمه، بعيد همه، كثير صمته، مشغول وقته، سهل الخليفة، لين العريكة، نفسه أصلب من الصلد، وهو أذل من العبد.
وعنه: رحم الله عبداً سمع حكما فوعى، ودعي إلى رشاد فدنا، وأخذ بحجزه هاد فنجا؛ راقب ربه، وخاف ذنبه، قدم خالصا وعمل صالحا؛ أكتسب مذخورا، وأجتنب محذورا؛ ورمى