FluentPlex

Table-Talk

وصية أبيه أبي الهيجاء

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

فقام، فرآها في غاية الحسن، فسر بذلك، وأعجبه، وأثنى علي، وقال: يا حسن، هوذا أعلمك بدل قيامك بهذا الأمر شيئاً تنتفع به، وفيه قضاء لحقك، بقدر ما أتعبتك فيه.

فقلت: قل، يا سيدي.

قال: إذا رأيت السلطان قد رفع من أهلك رجلاً، أو الزمان قد نوه به ورأسه، فإياك أن تحسده، وتشغل نفسك بعداوته، فإنك تتعب، ولا تصل إلى فائدة، وتسقط أنت، ولا يضر هو، وتغنم أنت، ولا يتآذى هو، وتغض من نفسك بغضك من رجل صار كبيراً من أهلك، فإنه ما ارتفع إلا بآلة فيه، يدفعك بها، أو إقبال يدفعك عنه، واجهد أن تخدمه، وتصافيه الود، ليكون ذلك الفضل الذي فيه، فضلاً لك، وذلك الفخر راجعاً إليك، وتتجمل بثنائه عليك، وإطرائه لك، وتصير أحد أعوانه، فإنه أحسن بك من أن كون من أعوان غيره ممن ليس من أهلك، ويراك الناس عنده وجيهاً، فيكرمونك له،فإن كان له منزلة من السلطان جاز أن تصل إليها باستخلافها إياك عليها،وانتقاله إلى ما هو أكبر منها، وكذلك إن كانت منزلته من غير سلطان، فلا تقل أنا أقعد منه في النسب، وأني خير قرابته، وهذا أمس كان وضيعاً، وكان دوننا، فإن الناس بأوقاتهم.

فقلت: نعم يا سيدي.

قال: ثم أقبل علي، وونسني، وولد لي في نفسه، القيام على تلك الدواب، منزلة.

فقال: اخرج معي إلى العمل.

وخرج فخرجت معه، وكنت أسايره إلى حسر النهروان وأحادثه، فولد ذلك الانبساط في نفسي طمعاً فيه، وأن أسأله شيئاً.

فذكرت بجسر النهروان، أن له ضيعة جليلة عظيمة، بنواحي الموصل، يقال لها: النهروان، كنت أشتهيها.

فقلت له: يا سيدي قد كثرت مؤونتي، وتضاعفت نفقتي، فلو وهبت لي النهروان ضيعتك، لأستعين بغلتها على خدمتك، ما كان ذلك منكراً.

قال: فحين سمع هذا، تغيظ غيظاً شديداً، وأقبل يشتمني أقبح شتيمة، وقال: يا كلب، سمت بك نفسك إلى أن تمتلك النهروان؟ وقنعني بالسوط الذي كان في يده، وهو مفتول كالمقرعة، فوقع السوط على وجهي، فشجه من أوله إلى آخره، وأحسست بالنار في وجهي، وورد ذلك على غفلة، فتداخلني ألم عظيم، وغيظ مما عاملني به أشد من الألم.

وقلت في نفسي، ما كان هذا جوابي، وقد كان يقنعه أن يردني، ولكن نيته لي فاسدة بعد. وقصرت عن مسايرته، ولحقني غلماني، فوقفوا معي ساعة، حتى صلحت قليلاً، وسار هو، ففتلت رأس دابتي، وأنفذت من رد بغلين كانا لي في السواد، عليهما قماشي وثيابي وغلماني، ورجعت أريد بغداد، وأنا وقيذ من الألم والغيظ حتى وردت بغداد.

وكان الوزير إذ ذاك علي بن عيسى، وهو في غاية العناية بأبي، وهو قلده العمل، وكان يحبني، ويكرمني، ويختصني، ففكرت أن أدخل إليه، أشكو أبي، وأريه الأثر الذي بي. فقصدت دارنا ، فأدخلت البغلين والقماش إلى الدار، ولم أنزل، وتوجهت إلى دار الوزير. فحين نزلت عن دابتي، وصرت في الصحن، ذكرت وصية أبي لي في أمر الأهل، وندمت على دخول دار الوزير، وقلت: لأن أقبل الوصية في أبي، أولى من قبولها في الأهل، فعملت على أن أغالط الوزير، ولا أعرفه.

وجئت فسلمت على الوزير، ووقفت بين يديه، ولم تكن عادتي تجري بالجلوس بحضرته. فحين رآني أعظم الأثر الذي في وجهي، وقال: ما لحقك؟ وأنكره، لأنه كان قبيحاً جداً.

فقلت: لعبت بالصولجان والكرة، فأفلتت، فضربت وجهي.

فقال: أليس كنت قد خرجت مع أبيك، فلم رجعت.

فقلت: خرجت مشيعاً، فلما بعد، عدت لألزم خدمة الوزير.

قال: فأخذ يسألني عن مسير أبي، فإذا بأبي قد دخل، وإذا هو لما رجعت من الطريق، وبلغه خبر رجوعي قد اغتاظ، فرجع، إما ليردني، أو ليقبض علي، وجاء إلى داره، فعرف أني لم أنزل،وأني توجهت إلى دار الوزير، فلم يشك في أني قد مضيت أشكوه.

فجاء، فوجدني أخاطبه، فتحقق ذلك عنده، فجلس.

فقال له الوزير: ما ردك يا أبا الهيجاء؟ فقال: أيها الوزير، ما هذا حق خدمتي لك، ومنا صحتي إياك، وانقطاعي إليك، وأخذ يعتب على الوزير أعظم عتب، وأنا قائم، ساكت، أسمع.

فقال له الوزير: ما هذا العتب علي؟ أي شيء عملت؟ فقال: تمكن هذا الكلب من ذكري بحضرتك، والتبسط في.

فقال: من تعني؟ فقال: الحسن، هذا القائم، فعل الله به وصنع.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا