قال القاضي التنوخي: وكان محمد بن منصور هذا، نبيلاً، جليلاً، ذا مروءة تامة.
؟مروءة القاضي محمد بن منصور
وأخبرني بعض شيوخنا: أنه لما تولى الحكم بكور الأهواز، دخل إلى جنديسابور، فنظر في حساب وكيله، فإذا هو قد اكتسب عليه بثمن جدي، درهم، وثمن عشرة أفراخ ، درهم.
فقال للموكل له: ألم أتقدم إليك، ألا تبتاع شيئاً، من بائع يعلم أنك وكيلي؟ قال: بلى، وعلى ذلك أعمل.
قال: فلو لم يعلم البائع، أنك وكيلي، لما حاباك هذه المحاباة.
فقال: هذا ما ابتعته بهذا البلد، وهكذا يباع لسائر المبتاعين.
فالتفت إلى بعض شهوده، فقال: أهكذا هو؟ فقالوا: قد حيف عليه، أيها القاضي، إنا لنبتاع الجدي بأربعة دوانيق، ونحوها.
فقال: هذا بلد لا يقيم فيه ذو مروءة.
ثم أسرع بالرحيل عنه.
حرمة القضاء في العهد العباسي
قال التنوخي: وأخبرني بعض شيوخنا، عنه: أنه كان جالساً للحكم، في المسجد الجامع بسوق الأهواز، فاجتاز بباب الجامع عامل الكور، فرأى جميع الناس. فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا القاضي.
قال: هذا كله لأبي جعفر؟ فنقلت الحكاية إليه، فقطع النظر، وانصرف إلى داره، وكتب إلى السلطان يومئذ، يقول: إن فلاناً العامل. اجتاز بي، وأنا أنظر في الحكم في المسجد الجامع، فذكرني بحضرة العامة، بالكنية دون اللقب، ذكر المزري علي، المانع لي من التشريف الذي ألبسنيه أمير المؤمنين، وإن الذي أنظر فيه إنما هو انتزاع أموال الناس، التي فيها يتهالكون، وعليها يتقاتلون، وأنا أنتزعها بالهيبة والكرامة.
فخرج أمر السلطان، بإن يضرب ذلك العامل، على باب المسجد بالأهواز ألف سوط.
فلما وقف على ذلك، خليفة العامل بالحضرة، اجتهد في إزالته بكل حيلة، فما أمكنه.
فبذل للفيج الحامل للكتاب، مائة دينار، ليتأخر عن النفوذ، ليلة واحدة، ثم بادر برسوله إلى العامل، يصف ما جرى، وما فعله من استنظار الفيج، ليقدم الحيلة في الدفع عن نفسه.
فلما ورد الرسول إلى العامل، نهض من وقته، إلى بعض إخوان القاضي، من شهود البلد، وطرح نفسه عليه، ولم يعلم باطن أمره، وسأله إصلاح قلب القاضي له.
فصار معه إلى باب القاضي ليلاً، ولم يزل حتى وصل إليه، وأغرق في الاعتذار إليه، والخضوع له، حتى قال: قد قبلت العذر، وصفحت عن الذنب، فانصرف.
فغاداه الفيج بما أمر به في بابه، فقال: إني قد صفحت عنه.
جزاء الوالي الظالم
قال أبو الحسين محمد بن علي بن إبراهيم بن شعيب، وحدثني القاضي أبو عبد الله الحسين بن شعيب الأرجاني، وكان من شيوخ أهل العلم والرئاسة ببلده: إن عاملاً للمكتفي رحمة الله عليه، بكورة أرجان، طالب بعض أهل الخراج بخراجه، فتغيب عنه، فأمر بإحراق بابه.
فاتصل الخبر بالمكتفي، فأنفذ من قبض على العامل، فضربه على باب المسجد بأرجان، ألف سوط.
الجذوعي القاضي يشهد على الخليفة المعتمد
قال أبو الحسين محمد بن علي، وحدثني أبي رحمه الله، وسمعته من غيره: إن القضاة والشهود، بمدينة السلام، أدخلوا على المعتمد على الله للشهادة عليه في دين كان اقترضه عند الإضاقة بالإنفاق على حرب صاحب الزنج.
فلما مثلوا بين يديه، قرأ عليهم إسماعيل بن بلبل الكتاب، ثم قال: إن أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - يأمركم أن تشهدوا عليه، بما في هذا الكتاب.
فشهد القوم، حتى بلغ الكتاب إلى الجذوعي القاضي، فأخذ بيده وتقدم إلى السرير، فقال: يا أمير المؤمنين، أشهد عليك بما في هذا الكتاب؟ فقال: اشهد.
فقال: لا يجوز، أو تقول: نعم، فأشهد عليك.
فقال: نعم، فشهد في الكتاب، ثم خرج.
فقال المعتمد: من هذا؟ فقيل له: هذا الجذوعي البصري.
فقال: وما إليه؟ فقالوا: ليس إليه شيء.
فقال: مثل هذا لا يكون مصروفاً، فقلدوه واسطاً.
فقلده إسماعيل، وانحدر.
فاحتاج يوماً إلى مشاورة الحاكم، في ما يشاور في مثله، فقال: استدعوا القاضي، فحضر، وكان قصيراً، وله دنية طويلة، فدخل في بعض الممرات ومعه غلام له، فلقيه غلام كان للموفق، وكان شديد التقدم عنده، وكان مخموراً، أو سكراناً، فصادفه في مكان كان خالياً من الممر، فوضع يده على دنيته، حتى غاص رأسه فيها، وتركه ومضى.