فجلس الجذوعي في مكانه، فأقبل غلامه، حتى فتقها، وأخرج رأسه منها، وثنى رداءه على رأسه، وعاد إلى داره، وأحضر الشهود، وأمرهم بتسلم الديوان، ورسل الموفق يترددون، وقد سترت الحال عنه. حتى قال بعض الشهود، لبعض الرسل، الخبر، فعاد إلى الموفق، فأخبره بذلك.
فأحضر صاحب الشرطة، وأمره بتجريد الغلام، وحمله إلى القاضي، وضربه هناك ألف سوط.
وكان والد هذا الغلام من جلة القواد، ومحله محل من لو هم بالعصيان أطاعه أكثر الجيش، فترجل القواد، وصاروا إليه، وقالوا: مرنا بأمرك، فقال: إن الأمير الموفق، أشفق عليه مني. فمشى القواد بأسرهم مع الغلام، إلى باب الجذوعي، فدخلوا عليه وضرعوا له، فأدخل صاحب الشرطة، وقال: لا تضربه.
فقال: لا أقدم على خلاف أمر الموفق.
فقال: فإني أركب إليه، وأزيل ذلك عنه. فركب فشفع له، وصفح عنه.
إيحاشك فقد، وإيناسك وعد
حدثني أبي رضي الله عنه: إن صديقاً لأبي خليفة القاضي، اجتاز عليه راكباً، وهو في مسجده، فسأله أن ينزل عنده ليحادثه.
فقال: أمضي وأعود.
فقال له أبو خليفة: إيحاشك فقد، وإيناسك وعد.
أبو خليفة القاضي والكلام المسجوع
قال: وكان أبو خليفة كثير الاستعمال للسجع في ألفاظه.
وكان بالبصرة رجل يتحامق، ويتشبه به، يعرف بأبي الرطل، ولا يتكلم إلا بالسجع، هزلاً كله.
فقدمت هذا الرجل امرأته إلى أبي خليفة، وهو يلي قضاء البصرة إذ ذاك، وادعت علية الزوجية والصداق، فأقر لها بهما.
فقال له أبو خليفة: أعطها مهرها.
فقال أبو الرطل: كيف أعطيها مهرها ولم تفلع مسحات نهرها؟ قال أبو خليفة: فأعطها نصف صداقها.
قال: لا، أو أرفع ساقها، وأضعه في طاقها.
فأمر به أبو خليفة، فصفع.
أخبرني غير واحد: إن أبا الرطل هذا، كان إذا سمع رجلاً يقول: لا تنكر لله قدرة، قال هو: ولا الهندبا خضرة، ولا للنخلة بسرة، ولا للعصفر حمرة، ولا للزردج صفرة، ولا للقفا نقرة. قال: وكان إذا سمع العامة يقولون: ديوك لا تغرق، قال هو: والديك لا تسرق، وسنور لا يزلق، ونور لا يعبق، وذرة لا تسرق، حتى لا تغرق، ولا نار لا تحرق، وخليفة لا يسرق، وقاض لا يحنق.
بين علي بن عيسى وعلي بن الفرات
سمعت بعض شيوخ الكتاب يتحدثون، قالوا: كان أبو الحسن عللي بن عيسى، شديد الإعظام لصناعة الكتابة،شحيحاً على محله منها، غير مسامح لشيء يعاب به، مهما صغر فيها.
وكانت المسابقة فيما بينه وبين أبي الحسن علي بن الفرات فيها، وكان كل واحد منهما، يتقلد ديواناً، في وزارة العباس بن الحسن.
وكان يتصرف في الديوان الذي يتقلده علي بن عيسى، عامل يعنى به ابن الفرات، فقصده علي بن عيسى، وعمل له مؤامرة بمائة ألف دينار في عمله، وعزم على أخذها منحه، وأحضره ، وسلم إليه المؤامرة.
وقال له: إن كان عندك جواب لها، فأجب، وإلا فالتزم المال.
فقال: آخذها من بيتي، وأجيب.
فقال له: خذها.
وأخذها العامل، وجاء إلى ابن الفرات، فشرح له الصورة، وسأله أن ينظر في المؤامرة ويلقنه الجواب على كل باب منها.
فقرأها ابن الفرات، وقال للعامل: لولا الاتفاق، لما انحل عنك منها درهم، ولكن الله سهل لك غلطاً غلط به علي بن عيسى على نفسه فيها، وهو رجل شديد الضن بصناعة الكتابة، غير مسامح لنفسه في العيب بها، وقد غلط غلطاً قبيحاً، لو غلط مثله صغير من الكتاب لافتضح، وبطلت صناعته، وسقط محله، وذاك إنه قد صدر في أول المؤامرة باباً، ذكر فيه ما وصل من فضل الكيل في غلات عملك، وأنك لم تورده، وألزمك مالاً جليلاً عنه، ثم ذكر بعد ذلك، أنك اقتطعت من غلات المقاسمة، أشياء أوردها، وذكر الحجج فيها، وألزمك مالاً جسيماً، هو شطر مال المؤامرة.
وقد كان من قانون الحساب، ورسم الصناعة في مثل هذا، أن يبتدئ بما ثنى به من الاقتطاع الواقع في أصول الغلات، ثم يثني بذكر فضل الكيل.
فإما إذا صدر فضل الكيل، فقد صحح لك الأصول، فإيراده ما اقتطعه من الأصول، ناقض للفعل الأول، وهو خطأً قبيح في الكتبة، مسقط لمحل من يعمله.
وسبيلك أن تمضي إليه وتخلوا به، وتقول: يا سيدي محلك في هذه الصناعة، لا يقتضي ما قد عملته في هذه المؤامرة، وقد أخطأت خطأً قبيحاً، وهو كذا وكذا، وواقفه عليه.
وقل له: لا يخلو أمري معك من حالين: