فلما أمسك عمر، لم يجب بشيء، وقال: يا فلان الوكيل.
قال: لبيك أيها القاضي.
قال: سمعت ما جرى؟ قال: نعم.
قال: قد وكلتك لأمير المؤمنين وللمسلمين، على هذا الرجل في المطالبة بهذا المال.
فقال له الوكيل: إن رأى القاضي أن يحكم بهذا المال للمسلمين.
قال: والرخجي ممسك، والناس حضور على بكرة أبيهم، لا يدرون ما يريد أن يفعل.
قال: فأخذ محمد بن منصور دواة، وكتب بخطه في مربعة سجلاً بذلك المال.
ورمى به إلى الشهود، وقال: اشهدوا على إنفاذ الحكم بما في هذا الكتاب، وإلزامي فلان ابن فلان، هذا، وأومأ بيده إلى الرخجي، بما أقر به عندي من المال المذكور مبلغه في هذا كتاب للمسلمين.
وكتب الشهود خطوطهم بالشهادة بذلك، وختموها، وأخذها محمد ابن منصور، وجعلها في كمه، ونهض.
وأخذ الرخجي يهزأ بالقاضي، ويظهر التهاون بفعله ذلك.
وقال له لما أراد القيام، طانزاً: يا أبا جعفر، بالغت في عقوبتي، قتلتني.
فقال أبو جعفر: إي والله.
فما سمعناه أجابه بغيرها، وافترقا، وكتب صاحب الخبر، للوقت إلى المتوكل.
قال: فبلغنا أن كتابه لما عرض على المتوكل، أحضر وزيره، وقال له: يا فاعل يا صانع، أنا أقول لك منذ دهر، حاسب هذا الخائن المقتطع، الرخجي، على أموالنا، وأنت تدافع، حتى حفظها الله علينا، بقاضينا محمد بن منصور، ورمى إليه بكتاب صاحب الخبر.
وقال له: قد ظهرت الآن أموالنا، في سقطات قوله، وفلتات لسانه، وهذه عادة الله عز وجل عند أئمة عباده، أن يأخذ لهم أعداءهم، أكتب الساعة بالقبض على الرخجي، وتقييده، وغله، وحمله.
قال: فخرج الوزير، وهو على غاية القلق، لعنايته بالرخجي، واستدعى خليفته وقال له: أكتب إليه الساعة، قد تسرعت يا مشوم، وقتلت نفسك، ما كان الذي دعاك إلى معاداة القضاة؟، قد جرى كيت وكيت، وأنت مقتول إن لم تتلاف أمر محمد بن منصور، فاجتهد فيه ، وأعلمه، أني هو ذا، أؤخر اليوم فقط، في إنفاذ من يقبض عليه، إلى أن يحكم أمره مع القاضي، وأقول للخليفة: أني قد أنفذت إليه، وأنفذ إليه في غد، من يمتثل الأمر فيه.
فلما ورد كتابه على الرخجي، قامت قيامته، وأحضر من يختص به، فشاوره.
فقال له: تركب الساعة إليه وتطرح نفسك عليه.
قال: فركب إليه، في موكب عظيم، فحجبه القاضي.
فاجتهد في أن يوصله إليه ، فما كان إلى ذلك طريق، فرجع خجلاً.
وقال لأصحابه: ما ترون ؟ فإني أخاف أن يقدم العشية من يقبض علي.
فقالوا له: إن للقاضي رجلاً تانئاً، من أهل البلد، يقال له: فلان، قد اصطنعه، وائتمنه، ويريد قبول شهادته، وهو غالب عليه جداً، فتستدعيه، وتكتب له روزاً بشيء من خراجه، وتسأله أن يوصله إليه، ويستصلحه لك.
فأحضره الرخجي، وكتب له روزاً بألف دينار من خراجه، وسأله ذلك.
فقال له: أما استصلاحه لك، فلا أضمنه، ولكن أوصله إليك.
فقال له: قد رضيت.
فقال: إذا كان وقت المغرب، فانتظرني، وخرج الرجل.
فلما كان وقت المغرب، صار إلى الرخجي، فقال: تلبس عمامة، وطيلساناً، وتركب حماراً، وتجيء.
قال: ففعل ذلك، وركبا بغير شمعة.
وجاء الرجل، فقال للحاجب: استأذن لي على القاضي، ولصديق لي معي، فدخل إليه وخرج فقال: ادخلا.
فحين شاهد القاضي الرخجي، أقبل يصيح ويقول: هذا الحال، وأنت أمين؟ هاه.
ثم قال للرخجي: اخرج عافاك الله عن داري.
قال: فبادر الرخجي، فأكب على رأسه، فلما رآه القاضي قد فعل ذلك، قام إليه فعانقه.
وبكى الرخجي بين يديه، ودفع الكتاب إليه.
قال: فبكى القاضي، وقال: عزيز علي يا هذا، ما كان اضطرك إلى الإقرار؟ فقال: تحتال في أمري.
فقال: والله ما لي حيلة، فإن الحكم كالسهم إذا نفذ لم يمكن رده، فجهد به الرخجي، فما زاده على ذلك، فانصرف بأقبح منصرف.
فلما كان من الغد، ورد خادم، فقبض عليه وغله، وقيده وحمله فعلته في حفظ أموال المسلمين، وقد كنا نأمر بمحاسبته، فيتأخر ذلك لعوائق، والآن فقد أقر طائعاً غير مكره، فما نؤثر معاملته، إلا بما يعمله الواجب، بارك الله عليك، وإن للرجل أملاكاً قبلك، فتنصب من يبيعها، تتحمل ثمنها إلى بيت المال، قضاء لما أقر به.
قال: فنصب محمد بن منصور، من باع أملاك الرخجي في كور الأهواز، على عظمها، وحمل ثمنها إلى بيت المال، فهي الأملاك المبيعة، التي تعرف إلى اليوم بالرخجيات.