فاجتهدنا في قبول غلمانه لطفاً منا، أو شيئاً، قليلاً أو كثيراً، فامتنعوا، وقالوا: إنه متى علم أنكم فعلتم ذلك، صارت عداوة، وما قبل لأحد من خلق الله شيئاً قط.
فلما كان بعد أسبوع استدعاني، فقال لي: يا أبا محمد، كيف سعر الخبز عندكم؟ فقلت: خمسون رطلاً بدرهم.
فقال: فالدجاج؟ فقلت: ثلاث بدرهم.
فقال: فالفراخ؟ فقلت: ستة بدرهم.
قال: فالجداء؟ فقلت: أجود جدي بدرهمين.
وأخذ يسائلني عن العسل، والسكر، وحوائج السقط، وغير ذلك.
من الفواكه، والثلج، وأنا أخبره بسعر البلد على الحقيقة، بالذي يشترى لنا، ولسائر الناس مثله، ويقول: أهكذا يشترى لكم؟ فأقول: نعم.
فلما استتم الكلام، قال: يا غلام، قل للموكلين، والفراشين، أن يحملوا، ويشدوا الثقل على البغال والجمال، وتقدم إلى الغلمان بالمسير مع السواد، وأن يتخلف معي للركوب من جرت عادته بذلك، وأسرجوا لي الدواب والعمارية، فقلت: أحدث، أعز الله القاضي، أمر؟ .
فقال: نعم، إنني أحاسب وكيلي، في كل أسبوع يوماً، على ما ينفقه في طول الأسبوع، ولما كان البارحة، حاسبته، فرفع إلي من أسعار ما اشتراه، مثل ما ذكرت، فكدت أن أوقع به، ولم أشك في أنكم قد دسستم إلى الباعة، أن يبيعوه بهذا السعر، إرفاقاً لنا، لما امتنعنا من قبول هداياكم، ثم توقفت عن الإيقاع به، إلى أ، أسألك عن الصورة، وأكشف.
فلما جئتني اليوم، وسألتك، وأنت عندي مقبول الشهادة، وقلت لك، أن تخبرني، كيف تشتري أنت وأهل البلد، فأخبرتني أنك وهم تشترون بهذا، علمت أن هذا بلد لا تقوم فيه مروءة لشريف، وأن الضعيف والشريف فيه يتساويان في اللذات والمروءات، فلا حاجة لي بالمقام فيه، ولا بد أن أرحل الساعة، وأجعل مقامي بحيث تبين مروءتي، وتظهر نعمة الله عندي.
قال: ورحل عنا من يومه.
الحكم كالسهم إذا نفذ لم يمكن رده
وحدثني أبي، رضي الله عنه، إن بعض المعمرين من الشهود بالأهواز، حدثه وذكر هو الشاهد وأنسيته أنا، عن أبيه أو بعض أهله، قال: كان محمد بن منصور، يتقلد القضاء بكور الأهواز، وعمر بن فرج الرخجي، يتقلد الخراج بها.
وكانا يتوازيان في المرتبة السلطانية، فلا يذهب القاضي إلى الرخجي إلا بعد أن يجيئه، ويتشاحان على التعظيم. وترد كتب الخليفة إليهما، بخطاب واحد، قال: وتولدت من ذلك، عداوة بينهما، فكان الرخجي يكتب في القاضي، إلى المتوكل، فلا يلتفت إلى كتبه، لعظم محله عند المتوكل، ويبلغ ذلك القاضي، فيقل الحفل به، ويظهر الزيادة في التعاظم عليه.
فلما كان في بعض الأوقات، ورد كتاب المتوكل، على الرخجي، يأمره بأمر في معنى الخراج، وأن يجتمع مع محمد ابن منصور القاضي، ولا ينفرد عنه، وورد بالكتاب، خادم كبير من خدم السلطان.
فأنفذ الرخجي إلى القاضي، فأعلمه، وقال: يصير إلى ديوان الخراج لنجتمع فيه على امتثال الأمر.
فقال القاضي: ولكن تصير أنت إلى الجامع، فنجتمع فيه، وتردد الكلام بينهما، إلى أن قال الرخجي للخادم: ارجع إلى حضرة أمير المؤمنين،واذكر القصة، وإن قاضيه يريد إيقاف ما أمر به.
وبلغه الخبر، فركب محمد بن منصور، إلى الديوان، ومعه شهوده، فدخله، والرخجي فيه في دست، وكتابه بين يديه، فلما بصروا به، قاموا إليه، إلا الرخجي.
فعدل القاضي عن موضعه في الديوان، فجلس في آخر البساط، بعد أن أمر غلامه، فطوى البساط، وجلس على البارية، وحف شهوده به، وجاء الخادم، فجلس عند القاضي، وأوقفه على الكتاب.
ولم يزل الرخجي، يخاطب القاضي، وبينهما مسافة، حتى فرغوا من الأمر.
فلما فرغوا، قال الرخجي، للقاضي: يا أبا جعفر، ما هذه الجبرية؟ لا تزال تتورع بي، وتتحكك بمنافرتي ومضاهاتي، وتقدر أنك عند الخليفة - أطال الله بقاءه - مثلي، ومحلك يوازي محلي.
قال: وأسرف في هذا الجنس من الفن، وحمي في الخطاب، والقاضي ساكت.
إلى أن قال الرخجي، في جملة الكلام: والخليفة - أعز الله نصره - لا يضرب على يدي في أمواله التي بها قيام دولته، ولقد أخذت من ماله، ألف ألف دينار،وألف ألف دينار، فما سألني عنها.
وإنما إليك أن تحلف منكراً على حق، أو تفرض على لامرأة على زوجها، أو تحبس ممتنعاً عن أداء حق.
وأخذ يعدد هذا وشبهه، وأبو جعفر، كلما ذكر الرخجي ألف ألف دينار، وثنى القول، يعدد بأصابعه، وقد كشفها ليراها الناس.