وبلغني: أنه كان إذا عجز عليه مال الضمان، قبض على من يجتاز ببابه، ويدخلهم فيها، ويقال لهم: إما وطئتم ما تريدون، وزنتم كذا وكذا، أو لا، فزنوه وانصرفوا، ولا يخرجون إلا بذلك.
وكان ينزل الجانب الشرقي، بقرب الجسر، وباب الطاق، في الموضع المعروف ببين القصرين، بدار الجاشياري، على دجلة.
ابن الحراصة ترتكب الفاحشة في داره علانية
فحدثني أبو الحسن، أحمد بن يوسف الأزرق، قال: اجتزت بداره من الشط، فرأيت في صحنها، ظاهراً بغير استتار، نفسين يتجامعان.
فقلت لمن كان معي في السمارية، اعدلوا بنا ننكر هذا.
فطرحنا إليهما، وأخذت الجماعة ترجمهما من الشط، وتستنفر الناس.
فقال بعض من معنا: لعنكما الله، ما كان في الدار بيت تدخلون فيه؟ فذكرت في الحال ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: عند ظهور المنكر، أشد الناس أمراً بالمعروف، من يقول ألا تواريتما، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
ونزل إلينا أصحاب ابن الحراصة، فخفنا منهم على نفوسنا، وجلسنا في السمارية،وانصرفنا.
فلم يزل كذلك، إلى أن زاد، وأكثر على معز الدولة في استقباح ذلك، فأمر بكبسه، فهرب، وتفرقت جموعه.
إمرأة تشوي ولدها وتأكله
ومنها: إن أحمد بن إبراهيم الجعفي، أحد شهودي - كان - بقصر ابن هبيرة، وأنا أتقلدها، إذ ذاك، أخبرني: إنه شاهد في وقت الغلاء الشديد الذي كان ببغداد، ونواحيها، في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، امرأة قد شوت ولدها، وجلست تأكله.
ففطن المسلمون بها، فأخذوها، وبقيت معها حتى حملوها إلى السلطان، فقتلها.
وقد أخبرني عدد كثير من أهل بغداد، أن هذا جرى عندهم في هذا الوقت، وأنهم شاهدوه.
واختلف علي قول بعضهم، لأن فيهم من قال: شوت ابناً لجارة كانت لها، ومنهم من قال: ابناً لها، ومنهم من قال: ابنة جارتها.
وأي شيء حصل له من ذلك، فهو طريف عظيم.
عشرون ألف درهم
ثمن كر واحد من الحنطة: حدثني أبو الحسين بن عياش القاضي، قال: حدتني أبو عبد الله الموسوي العلوي، البغدادي: إنه باع في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، عند اشتداد الغلاء، على معز الدولة، وهو محاصر، مقيم بظاهر بغداد من الجانب الغربي، كراً معدلاً حنطة، بعشرين ألف درهم.
قال: ولم أخرج الغلة حتى تسلمت المال، وحصل في داري، ثم أخرجت الغلة فاكتالوها، وأخذوها.
فنعوذ بالله من مثل هذه الأحوال.
أبو الفرج الببغاء يمتدح الأمير سيف الدولة
أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المعروف بالببغاء، لنفسه قصيدته إلى سيف الدولة، يذكر وقعة كانت له مع بعض العرب، وهي:
عدل الصوارم أعدل الأحكام ... وشبا الأسنة أكتب الأقلام
أخلق بمن كفر الغنى أن يغتدي ... كفرانه سبباً إلى الإعدام
من كان في الإكرام مفسدة له ... فهوانه أولى من الإكرام.
هذا البيتان من الأمثال الجياد، التي يجب أن تسير.
وفي هذه القصيدة أشياء حسان، منها قوله:
فتركتهم صرعى كأنك بالظبي ... عاطيتهم في الروع كأس مدام
متهاجرين على الدنو كأنما ... أنفت رؤوسهم من الأجسام.
الجزء الثاني
علو نفس أبي جعفر القاضي
حدثني أبي، رضي الله عنه، قال: حدثني سهل بن عبد الله الإيذجي،وكان أحد شهودها ووجوهها، ويخلفني على القضاء، وغيري، بها طويلاً، قال: حدثني أبي، وكان رئيس البلد، ومن وجوه شهوده: أن أبا جعفر، محمد بن منصور القاضي، لما تقلد كور الأهواز، من قبل المتوكل، أول دفعة، ووردها، احب أن يطوف عمله.
قال: وكان شديد الشرف، عظيم النعمة والنفقة في مروءته، حتى إنه كان يستعمل في مطبخه، بدلاً من الشيرج، دهن اللوز والجلوز.
وكان في داره رحى لطيفة، يديرها حمار له، يستخرج عليها دهن اللوز دائماً.
وكان يستعمل في مطبخه، من اللحم، والدجاج، والفراخ، والحملان، والجداء، أكثر مما يتخذه الوزراء، في كثير من الأمور.
فقدم علينا، فأبعدنا في تلقيه، وسألناه النزول علينا، فامتنع.
وقال: لا يجوز للقاضي أن ينزل على أحد.
فقلنا له: فنفرغ لك أحد المنازل، فكأنه أجاب إلى هذا.
وسبقناه إلى البلد، فأخلينا له داراً من دورنا، وجاء فيها فنزل.