وجعل يقول، وهو يضرب: يا كلب، يا كذا وكذا، ما كان معك ثمن هذا البطيخ؟ ما كان في حالك فضل لشرائه؟ ما قدرت تمنع نفسك منه؟ هو مالك؟ مال أبيك؟ أليس هو الرجل الذي قد تعب بنفسه في زرعه، وسقيه، وماله، وأداء خراجه؟ أليس كذلك؟ أليس كذلك؟ يعدد عليه أشياء من هذا الجنس، والمقارع تأخذه، إلى أن ضربه نحو مائة مقرعة.
ثم أمره برفعه، فرفع، وسار، وسار الناس.
فأخذ الجيش يشتمونني، ويقولون، يضرب فلان بسبب هذا الأكار الخوزي، لعنه الله، مائة مقرعة.
فسألت بعضهم عن الخبر، فقال: هذا الأمير أبو العباس.
شدة ضبط المعتضد عسكره
حدثني عبد الله بن عمر الحارثي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبو محمد عبد الله بن حمدون، قال: كان المعتضد، في بعض متصيداته، مجتازاً بعسكره، وأنا معه، فصاح ناطور في قراح قثاء، فاستدعاه، وسأله عن سبب صياحه.
فقال: أخذ بعض الجيش من القثاء شيئاً.
فقال: أطلبوهم، فجاءوا بثلاثة أنفس.
فقال: هؤلاء الذين أخذوا القثاء؟ فقال الناطور: نعم.
فقيدهم في الحال، وأمر بحبسه.
فلما كان من الغد، أنفذهم إلى القراح، فضرب أعناقهم فيه، وسار.
فأنكر الناس ذلك، وتحدثوا به، ونفرت قلوبهم منه.
ومضت على ذلك مدة طويلة، فجلست أحادثه ليلة، فقال لي: يا أبا عبد الله هل يعيب الناس علي شيئاً؟ عرفني حتى أزيله.
قلت: كلا، يا أمير المؤمنين.
فقال: أقسمت عليك بحياتي، إلا ما صدقتني.
قلت: وأنا آمن؟ قال: نعم.
قلت: إسراعك إلى سفك الدماء.
قال: والله، ما هرقت دماً منذ وليت هذا الأمر، إلا بحقه.
قال: فأمسكت إمساك من يتبين عليه الكلام.
فقال: بحياتي ما يقولون؟ قلت: يقولون إنك قتلت أحمد بن الطيب، وكان خادمك، ولم تكن له جناية ظاهرة.
قال: دعاني إلى الإلحاد، فقلت له: يا هذا أنا ابن عم صاحب الشريعة، وأنا الآن منتصب منصبه، فألحد حتى أكون من؟ وكان قال لي: إن الخلفاء لا تغضب، فإذا غضبت لم ترض، فلم يصح إطلاقه.
فسكت، سكوت من يريد الكلام.
فقال لي: في وجهك كلام.
فقلت: الناس ينقمون عليك أمر الثلاثة أنفس، الذين قتلتهم في قراح القثاء.
فقال: والله، ما كان أولئك المقتولين هم الذين أخذوا القثاء، وإنما كانوا لصوصاً حملوا من موضع كذا وكذا، ووافق ذلك أمر أصحاب القثاء، فأردت أن أهول على الجيش، بأن من عاث من عسكري، وأفسد بها القدر، كانت هذه عقوبتي له: القتل، ليكفوا عما فوقه، ولو أردت قتلهم لقتلتهم في الحال، وإني حبستهم، وأمرت بإخراج اللصوص في غد مغطين الوجوه، ليقال إنهم أصحاب القثاء، ويقتلون بفعل ذلك.
فقلت: كيف تعلم العامة هذا؟ قال: بإخراجي القوم الذين أخذوا القثاء، أحياء، وإطلاقي لهم في هذه الساعة.
ثم قال: هاتم القوم، فجاءوا بهم، وقد تغيرت حالهم من الحبس والضرب.
فقال لهم: ما قصتكم؟ فاقتصوا عليه قصة القثاء.
فقال لهم: أفتتوبون من مثل هذا الفعل، حتى أطلقكم؟ فقالوا: نعم.
فأخذ عليهم التوبة، وخلع عليهم، ووصلهم، وأمر بإطلاقهم، ورد أرزاقهم عليهم.
فانتشرت الحكاية، وزالت عنه التهمة.
بين المعتضد ونديمه ووزيره
حدثني أبي، عن أبي محمد، عبد الله بن حمدون، قال: قال لي المعتضد، يوماً، وقد قدم إليه عشاء على النبيذ: لقمني.
قال: وكان الذي قدم إليه فراريج، ودراريج، فلقمه من صدر فروج.
فقال: لا، لقمني من فخذه.
فلقمته لقماً.
ثم قال: هات من الدراج، فلقمته من أفخاذها.
فقال: ويلك، هو ذا تتنادر علي؟ هات من صدورها.
فقلت: يا مولاي، ركبت القياس، فضحك.
فقلت له: إلى كم أضحكك، ولا تضحكني؟ قال: شل المطرح، وخذ ما تحته.
قال: فشلته، فإذا بدينار واحد.
فقلت: آخذه هذا؟ فقلت له: بالله، هوذا تتنادر أنت الساعة علي؟ خليفة يجيز نديمه بدينار واحد؟ فقال: ويلك، لا أجد لك في بيت المال حقاً أكثر من هذا، ولا تسمح نفسي أن أعطيك من مالي شيئاً، ولكن هوذا، أحتال لك بحيلة، تأخذ فيها خمسة آلاف دينار.
فقبلت يده.
فقال: إذا كان غداً، وجاء القاسم فهو ذا أسارك حين تقع عيني عليه، سراراً طويلاً، ثم ألتفت إليه كالمغضب، وانظر أنت إليه من خلال ذلك، كالمخالس لي، نظر المترثي.
فإذا انقطع السرار، فستخرج، ولا تبرح من الدهليز.