وحصلت للديلم ممالك، غير ممالك الأمراء من بني بويه، كثيرة، بعد أن كان الناس يتمثلون إذا ظلموا، فيقولون: أي شيء خبرنا؛ في يد الديلم نحن أم في يد الأتراك؟ فصاروا في ممالكهما وأيديهما.
ونسأل الله السلامة.
مثل آخر على تيقظ المعتضد وعلو همته
حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي، قال: حدثني أبو علي الحسن بن إسماعيل بن إسحاق القاضي، وكان ينادم المعتضد، ويتجاسر عليه، قال: كنا نشرب يوماً مع المعتضد، حتى دخل عليه بدر، فقال: يا مولاي، قد أحضر القطان الذي من بركة زلزل.
قال: فترك مجلس النبيذ، وقام إلى مجلس في آخر ذلك المجلس، ودونه، ونحن نراه ونسمع كلامه، ومدت بيننا وبينه ستارة، ولبس قباء، وأخذ بيده حربه، وجلس كالمغضب المهول، حتى فزعنا نحن منه، مع أنسنا به.
وأدخل إليه شيخ ضعيف، فقال له بصياح شديد: أنت القطان الذي قلت أمس ما قلت؟ فغشي على القطان، فأمر به فعزل ناحية.
فلما سكن جاءوه به، فقال: ويلك، مثلك يقول ليس للمسلمين ناظر في أمورهم، فأين أنا؟ وأي شغل شغلي؟ قال: يا أمير المؤمنين، أنا رجل سوقي، لا أعرف غير الغزل والقطن ومخاطبة النساء والعامة، وإنما اجتاز بنا رجل بايعنا شيئاً كان معه، فوجدنا ميزانه ناقصاً، فقلت هذا الكلام، وعنيت به المحتسب لا غيره.
فقال له المعتضد: الله، إنك أردت به المحتسب؟ فقال: والله ما عنيت غيره، وأنا تائب أن أتكلم بما يشبه هذا.
فقال: يحضر المحتسب، ويبالغ في الإنكار عليه لم غفل عن إنكار مثل هذا، ويؤمر بتعييره، وتتبع الطوافين، وأهل الأسواق، والتعيير عليهم.
وقال للشيخ: انصرف، لا بأس عليك، ودخل، فضحك، وانبسط، وعاد يشرب.
فلما حمل علي النبيذ، قلت له: يا مولاي، تعرف فضولي، فتأذن لي في أن أقول؟ فقال: قل.
قلت: كان مولانا في أطيب شرب، وأتم سرور، فتركه، وتشاغل عنه بخطاب كلب من السوقة، كان يكفيه أن يصيح عليه راجل من رجالة صاحب الربع صيحة، ولم يقنع مولانا في أمره بالوصول إلى حضرته، حتى غير له لبسته، وشهر سلاحه، واستقصى خطابه بنفسه، لأجل كلمة تقول العامة مثلها دائماً، ولا يميزون معناها.
فقال: يا حسن، أنت لا تعلم ما يجر هذا الكلام، إن مثل هذا إذا انتشر على ألسنة العوام، تلقفه بعضهم من بعض، وتجرأوا عليه، وربوا على قوله، حتى يصير منهم كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يبعد أن يولد ذلك لهم امتعاضاً عند أنفسهم للسياسة والدين، فتثور الفتن على السلاطين.
وليس شيء أبلغ في حسم ذلك، من قطع مادته من الأصل في أوله.
فإن هذا، مما جرى عليه، قد طارت روحه، فهو يخرج، ويحدث بأضعاف ما لحقه من الإنكار، وأكثر مما شاهده من الهيبة والفخامة، وفوق ما سمعه من المطالبة بموجبات السياسة، ومر الحقيقة ، فينتشر عند العوام ما نحن عليه من التيقظ، وإن كلمة تكلم بها الرجل منهم لم تخف علي، وما غفلت عن مناظرة صاحبها، وعقابه فيعرفوني بذلك، فيعنيني ذلك عن أفعال كثيرة، ويحذر جميعهم، ويضبط نفسه، وتنحسم مادة شر.
لو جرى، لأحتيج إلى ضروب من الكلف غليظة في صلاحه، قد انحسمت بيسير من القول والفعل.
فأقبلنا ندعو له ونطريه أنا والجماعة.
مثل على ضبط المعتضد أمر جنده
وتشدده في منعهم من التعدي: حدثني وكيل كان لأبي القاسم ابن أبي علان، سلمه إلي بتوكيل في ضيعتي بالأهواز، وكان ابن أبي علان يقول إنه أسن منه، وكان ثقة، ما علمت، يقال له: ذو النون بن موسى، قال: كنت غلاماً، والمعتضد إذ ذاك بكور الأهواز، فخرجت يوماً من قرية بمناذر يقال لها شانطف، أريد عسكر مكرم، ومعي حمار أنا راكبه، وهو موقر بطيخاً، قد حملته من القرية لأبيعه في البلد، يعني العسكر.
فلقيني جيش عظيم لم أعلم ما هو، وتسرع إلي منهم جماعة، وأخذ واحد منهم ثلاث بطيخات أو أربعاً، وحرك.
فخفت أن ينقص عدده، فأتهم به، فبكيت، وصحت، والحمار يسير بي على المحجة، والعسكر يجتاز عليها.
فإذا بكوبكبة عظيمة يقدمها رجل منفرد، فوقف، وقال: ما لك يا غلام تبكي وتصيح؟ فعرفته حالي، فوقف بي، ثم التفت إلى القوم، فقال: هي، علي بالرجل الساعة.
قال: فكأنه كان وراءه، حتى ورد في سرعة الطرف.
فقال: هذا هو يا غلام؟ فقلت: نعم.
فأمر به فبطح وضرب المقارع، وهو واقف، وأنا على حماري، والعسكر واقف.