جاءت به متعجراً ببردة ... سفواء ترمي بنسيج وحده.
كيف نصب أبو جعفر بن البهلول قاضياً
حدثني القاضي أبو الحسن علي بن أبي طالب بن القاضي أبي جعفر بن البهلول قال: حدثني أبي، عن أبيه، وحدثي أيضاً، أبو الحسن أحمد ابن يوسف الأزرق عن أبي جعفر بن البهلول القاضي، قال: لما استقرت الأمور للناصر لدين الله، بعد فراغه من أمر الزنج، نظر في البلدان ومصالحها، وأمر بارتياد قضاة من أهل البلدان لها.
فسأل عن الأنبار، ومن فيها يصلح لتقلد القضاء، فأسميت له.
وكان عارفاً بأبي، إسحاق بن البهلول، حين استقدمه المتوكل إلى سر من رأى حتى حدثه، ولم أكن تقلدت شيئاً من ذلك.
قال: فأمر بإحضاري وتقليدي.
فتقدم إسماعيل بن بلبل، إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي في ذلك، وكاتبني بالحضور، فحضرت، فعرفني الصورة، وحملني إلى إسماعيل.
فقلت لهما: أنا في كفاية وغناء، ولا حاجة بي إلى تقلد القضاء.
فأمسكا عني، فعدت إلى منزلي ببغداد لأصلح أمري وأرجع.
فجاءني جعفر بن إبراهيم الحصيني الأنباري، وكان من عقلاء العجم بالأنبار، ولي صديقاً، فقال لي: لأي شيء استدعيت؟ فحدثته.
فقال: اتق الله في نفسك، إن الذي جرى بينك وبينهما خاف عن الناس، وإنك تعود إلى بلدك، فيقول أعداؤك: طلب القضاء، فلما شوهد، وجد لا يصلح، فرد.
فقلت: ما أصنع، وقد قلت ما قلت؟ قال: ترجع إلى إسماعيل فتصدقه عما جرى بيننا.
قال: فباكرت إسماعيل، فحين رآني، قال: هذا وجه غير وجه الأمسي.
قلت: هو كذلك.
قال: هي.
قلت: كان كذا وكذا، فأخبرته بما جرى بيني وبين جعفر بن إبراهيم.
فقال: نصحك والله هذا الصديق، والأمر على ما قاله، قم بنا إلى الوزير.
قال: فحملني إليه، فلما رآنا إسماعيل تبسم، وقال: كيف عاد أبو جعفر؟ قال: فقص عليه إسماعيل القاضي الخبر.
فقال: جزي الله هذا الصديق عنك خبراً، فقد أشار عليك بالرأي الصحيح، اكتبوا عهده.
قال: فكتب عهدي عن الناصر، على الأنبار، وهيت وعانات، والرحبة، وقرقيسيا، وأعمال ذلك، وعدت إلى بلدي.
قلت أنا: ولم يزل محل أبي جعفر ينمى ويزيد، حتى قلد مدينة أبي جعفر المنصور عند صرف أبي عمر في قصة ابن المعتز، فظهر من فضله ما اشتهر.
ارتفاع محل القاضي ابن البهلول
في دولة المقتدر: وكان عند المقتدر ووزرائه، بصورة الناسك الزاهد، من ذلك ما حدثني به أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول، قال: حدثني أبو علي أحمد بن جعفر بن إبراهيم الحصيني الأنباري الكاتب، قال: مات واثق مولى المعتضد، فأوصى أن يصلي عليه أبو الحسن علي بن عيسى، فحضر الحق وجوه الدولة، من القواد، والكتاب، والأشراف، والقضاة، وغيرهم.
فكان فيمن حضر، القاضيان أبو جعفر، وأبو عمر، وكنت حاضراً.
قال: فوضعت الجنازة، وقيل لأبي الحسين علي بن عيسى تقدم، فجاء ليتقدم، فوقعت عينه على أبي جعفر، فجذبه، وقدمه، وتأخر هو.
قال: فلما انقضت الصلاة، طلبت أبا عمر، لأنظر كيف هو، فوجدته قد اسود وجهه غماً، بتقديمهم أبا جعفر عليه.
فجئت إلى أبي جعفر، وهنأته بذلك، وأخبرته بخبر أبي عمر، فاستسر بذلك، وسر بعلمي أنا بالأمر، ومشاهدتي له، لأجل البلدية.
قال لي أبو الحسن: هذا، مع نفرة كانت بينهما، ولكن أبا الحسن لفضله، لم يكن يدفع أهل الفضل عنه، وإن لم يكن ما بينه وبينهم مستقيماً.
الحسين بن القاسم بن عبيد الله
يتصرف تصرفاً يكون أوكد الأسباب في عزله عن الوزارة: حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول، قال: كان قد ارتكب الحسين بن القاسم بن عبيد الله دين عظيم، عشرات ألوف دنانير، فدعاه غرماؤه إلى القاضي، فخافهم، واستتر.
وجاء إلى جدي فشاوره في أمره، وقال: إن بعت ملكي، كان بإزاء ديني، وحصلت فقيراً، وقد رضيت أن أجوع، وأعطي غلتي بأسرها الغرماء، وليس يقنعون بذلك، فكيف أعمل؟ يحتال لي القاضي في ذلك! وكان منزل الحسين في الجانب الشرقي، والحكم فيه إلى أبي عمر.
فقال له جدي: إن من مذهب مالك، الحجر على الرجال إذا بان سفههم في الأموال، وإن عني بك أبو عمر، جعل استدانتك من غير حاجة كانت بها إليها، وإنما بذرت المال، وتخرقت في النفقة، دليلاً على سفهك في مالك.