قال: فلم تدخل إلى الوزير، وفلان، وفلان - وعدد من حضر - محجوبون، يتمنون الوصول، ولا يقدرون، ثم لا ترضى، حتى تطيل عنده، وتخرج في يوم موكب، وراءه، وليس معه غيرك، ولا خمسون ألف دينار معدة عندك، تؤديها إذا نكب هذا، فأخذت بتبعة الإختصاص به، وأنت لا تقوى على ما يولد هذا.
فقلت: يا عم لم أعلم، وأنا رجل فقيه، ومن أولاد التجار، ولا عادة لي بخدمة هؤلاء.
فقال: يا بني لا تعاود، فإن هذا يولد لك اسماً، ويجر عليك تبعة.
قال: فتجنبت بعد ذلك الدخول إلى سليمان في أوقات مجالسه العامة، وأيام المواكب خاصة.
أبو يوسف القاضي واللوزينج بالفستق المقشور
حدثني أبي، قال: بلغني من غير واحد: إن أبا يوسف صحب أبا حنيفة، لتعلم العلم، على فقر شديد، فكان ينقطع بملازمته عن طلب المعاش، فيعود إلى منزل مختل، وأمر قل.
فطال ذلك، وكانت امرأته تحتال له ما يقتاته يوماً بيوم.
فلما طال ذلك عليهما، خرج إلى المجلس، وأقام فيه يومه، وعاد ليلاً فطلب ما يأكل، فجاءته بغضارة مغطاة، فكشفها، فإذا فيها دفاتر.
فقال: ما هذا؟ قالت: هذا ما أنت مشغول به نهارك أجمع، فكل منه ليلاً، قال: فبكى، وبات جائعاً، وتأخر من غد عن المجلس، حتى احتال ما أكلوه.
فلما جاء إلى أبي حنيفة، سأله عن سبب تأخره، فصدقه.
فقال: ألا عرفتني، فكنت أمدك؟ ولا يجب أن تغنم، فإنه إن طال عمرك فستأكل بالفقه، واللوزينج بالفستق المقشور.
قال أبو يوسف: فلما خدمت الرشيد، واختصصت به، قدمت بحضرته يوماً جامة لوزينج بفستق، فحين أكلت منها، بكيت، وذكرت أبا حنيفة.
فسألني الرشيد عن السبب في ذلك، فأخبرته.
سبب اتصال أبي يوسف القاضي بالرشيد
وحدثني أبي، قال: كان سبب اتصاله بالرشيد إنه قدم بغداد بعد موت أبي حنيفة، فحنث بعض القواد في يمين، فطلب فقيهاً يستفتيه فيها، فجيء بأبي يوسف، فأفتاه أنه لم يحنث، فوهب له دنانير، وأخذ له داراً بالقرب منه، واتصل به.
فدخل القائد يوماً إلى الرشيد، فوجده مغموماً، فسأله عن سبب غمه، فقال: شيء من أمر الدين قد حزبني، فاطلب لي فقيهاً أستفتيه، فجاءه بأبي يوسف.
قال أبو يوسف: فلما دخلت إلى ممر بين الدور، رأيت فتى حسناً، أثر الملك عليه، وهو في حجرة في الممر محبوس، فأومأ إلي بإصبعه مستغيثاً، فلم أفهم عنه أرادته، وأدخلت إلى الرشيد، فلما مثلت بين يديه، سلمت، ووقفت.
فقال لي: ما اسمك؟ قلت: يعقوب.
أصلح الله أمير المؤمنين.
قال: ما تقول في إمام شاهد رجلاً يزني، هل يحده؟ قلت: لا يجب ذلك.
قال: فحين قتلها سجد الرشيد، فوقع لي إنه قد رأى بعض أولاده الذكور على ذلك، وإن الذي أشار إلي بالاستغاثة، هو الابن الزاني.
قال: ثم رفع رأسه، فقال: ومن أين قلت هذا؟ قلت: لأن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ادرؤوا الحدود بالشبهات، وهذه شبهة يسقط الحد معها.
فقال: وأي شبهة مع المعاينة؟ قلت ليس توجب المعاينة لذلك أكثر من العلم بما جرى، والحكم في الحدود لا يكون بالعلم.
قال: ولم؟ قلت: لأن الحد حق الله تعالى، والإمام مأمور بإقامة الحد، فكأنه قد صار حقاً له، وليس لأحد أخذ حقه بعلمه، ولا تناوله بيده، وقد أجمع المسلمين على وقوع الحد بالإقرار والبينة، ولم يجمعوا على إيقاعه بالعلم.
قال: فسجد مرة أخرى، وأمر لي بمال جليل، ورزق في الفقهاء في كل شهر، وأن ألزم الدار.
قال: فما خرجت، حتى جاءتني هدية الفتى، وهدية أمه، وأسبابه، فحصل لي من ذلك، ما صار أصلاً للنعمة، وانضاف رزق الخليفة، إلى ما كان يجريه علي ذلك القائد.
ولزمت الدار، فكان هذا الخادم يستفتيني، وهذا يشاورني، فأفتى وأشير، فصارت لي مكنة فيهم، وحرمة بهم، وصلاتهم تصل إلي، وحالتي تقوى.
ثم استدعاني الخليفة، وطاولني، واستفتاني في خواص أمره وأنس بي.
فلم تزل حالي تقوى معه، حتى قلدني قضاء القضاة.
أنس الرشيد بأبي يوسف القاضي
قال لي أبي: بلغني أن أبا يوسف، لما مات، خلف في جملة، كسوته، مائتي سراويل خز، دون غيرها من أصناف السراويلات.
وأن جميع سراويلاته كانت مختصة كل سراويل بتكة أرمني نساوي ديناراً، وبلغ من محله عنده، أن طلبه الرشيد يوماً، فجاء وعليه بردة، أنساً به، فحين رآه الرشيد، قال لمن بحضرته: