FluentPlex

Table-Talk

أبو فراس الحمداني

Texto original Public domain

Leer con el diccionario

قلت لأبي القاسم ابن أبي علان: كيف كانت توبتك من التصرف؟ وما سببها؟ قال: كان سبب ذلك، أن أبا علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي رحمه الله، كان يجيء إلى الأهواز فينزل علي، لأني كنت كاتب ديوان الأهواز، وخليفة أبي أحمد بن الحسين بن يوسف على العمالة، والأمر كله إلى أدبره.

وكان أبو علي يقدم الأهواز في كل سنة دفعة، وقت افتتاح الخراج، ويستضيف إلى خراج ضيعته بجبي، خراج قوم كان رسمهم أن يكونوا في أثره على مرور السنين.

فإذا قدم البلد، أعظمه الناس وأكرموه، ولا ينزل إلا علي في أكثر الأوقات، فأقرر أمره مع العامل.

وربما كان العامل غير صاحبي، أو من لا يعرف محل أبي علي، فيكون ما يقرر عليه أمره أقل من ذلك، إلا أنه كان لا يخلو من أن يسقط عنه نصف الخراج أو ثلثه.

فإذا عاد جبي، لم يلزم نفسه من خراج ضيعته شيئاً البتة، ونظر إلى ما بقي، بعد إسقاط خراجه من النظر، ففضه على القوم الذي في أثره، وألزمهم بإزاء ذلك، أن يضيف كل واحد منهم، رجلاً من الفقراء الذين يتعلمون منه العلم طول السنة، فيكون ما يلزم الواحد، على الواحد منهم، شيئاً يسيراً لا يبلغ خمس ما أسقطه عنه من الخراج بجاهه.

ويعود هو فيخرج من ضيعته العشر الصحيح، فيتصدق به على الفقراء من أهل الحوز، قريته التي هو مقيم فيها، وعلى أهل محلته، وكان هذا دأبه في كل سنة.

فنزل علي في بعض قدماته، فبلغت له مراده في أمر الخراج، وجلسنا ليلة نتحدث.

فقلت له: يا أبا علي أتخاف مما أنا فيه شيئاً؟ فقال: يا أبا القاسم، وكيف لا أخاف عليك، والله، لئن مت على هذه الحال، لا رحت رائحة الجنة.

فقلت: ولم؟ ولأي شيء؟ وإنما أنا أعمل الحساب، وأجري مجرى ناسخ، وآخذ أجري من بيت المال، أو يجيئني رجل مظلوم، قد لزمته زيادة باطلة في خراجه، فأسقطها عنه، وأصلحها له في الحساب، فيهدي إلي بطيب قلبه، أو أرتفق من مال السلطان بشيء، ولي في فيء المسلمين قسط يكون هذا بإزائه.

فقال: يا أبا القاسم، إن الله لا يخادع، أخبرني، ألسن أنت تختار المساح، وتنفذهم إلى المساحة، وتوصيهم بالتقصي، فيخرجون، فيزيدون بالقلم واحداً أو اثنين في العشرة، ويجونك بالتزاوير، فتسقطها أنت، وتعمل الجرائد، وتسلمها إلى المستخرج، وتقول له: أريد أن يصح المال في كذا وكذا يوماً عند الجهبذ، وإلا دققت يديك على رجليك؟ قلت: نعم.

قال: فيخرج المستخرج فيبث الفرسان، والرجالة، والرسل، والمستحثين، ويضرب، ويصفع، ويقيد، وأنت تأمره وتنهاه، وإذا قلت له: أطلق رجلاً، أو أخره بما عليه قبل أمرك، وإذا لم تأذن له طالبه حتى يؤدي؟ قلت: نعم.

قال: فيحصل المال عند الجهبذ، فتخرج إليه الصكاك من يدوانك وبعلاماتك؟ فقلت: نعم.

قال: فأي شيء بقي من العمل لم تتول وزره، وتضمن غرمه، وتتحمل إثمه؟ تب إلى الله، وإلا فأنت هالك، ودع التصرف، وأصلح أمر آخرتك.

قال: وأخذ يغظني، ويخطب علي، حتى بكيت.

ثم قال لي: لست بأعظم نعمة ولا أكبر منزلة من جعفر بن حرب، فإنه كان يتقلد كبار أعمال السلطان، وكانت نعمته تقارب نعمة الوزراء، وكان يعتقد الحق ومنزلته في العلم المنزلة المشهورة، وصنف غير كتاب من كتبه الباقية إلى الآن في أيدي الناس، وهو يتصرف مع السلطان.

فاجتاز يوماً راكباً في موكب له عظيم، ونعمته على غاية الوفور، ومنزلته بحالها من الجلالة، فسمع رجلاً يقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما أنزل من الحق " صدق الله العظيم " فقال: اللهم بلى، وكررها دفعات، وبكى، ثم نزل عن دابته، ونزع ثيابه، ودخل إلى دجلة، فاستتر بالماء إلى حلقه، ولم يخرج حتى فرق جميع ماله في المظالم التي كانت عليه ، وردها، ووصى فيها، وتصدق بالباقي، وعمل ما اقتضاه مذهبه، ووجب عليه عنده.

فاجتاز رجل، فرآه في الماء قائماً، وسمع بخبره، فوهب له قميصاً ومئزراً فاستتر بهما، وخرج فلبسهما، وانقطع إلى العلم والعبادة، حتى مات.

ثم قال لي أبو علي: فافعل أنت أبا القاسم مثل هذا، فإن لم تطب نفسك به كله، فتب.

قال: فأثر كلامه في، وعملت على التوبة، وترك التصرف، ولم أزل أصلح أمري لذلك مدة، حتى استوى لي التخلص من السلطان، فتبت، وتركت معاودة التصرف.

أبو فراس الحمداني

Pasa el cursor sobre cualquier palabra de esta página para ver su significado

Con una cuenta gratuita, pasa el cursor sobre cualquier palabra de la biblioteca para ver su significado, escúchala en voz alta, guarda palabras para repasarlas al ritmo de tu memoria y descubre cuánto de cada libro ya conoces.

Crear cuenta gratuita