FluentPlex

Table-Talk

كيف أسر أبو فراس الحمداني

Original text Public domain

Read with the dictionary

من مناجيب بني حمدان: من مناجيب أبو حمدان، أبو فراس، الحارث بن أبي العلاء بن حمدان، فإنه برع في كل فضل، على ما أخبرني جماعة شهدوه، وأوثق بهم، حسن خلق لم ير في عصره - بالشام أحسن منه، مع خلق طاهر، وحسن باطن وظاهر، وفروسية تامة، وشجاعة كاملة، وكرم مستفيض، لأنه نشأ في تربية سيف الدولة رضي الله عنه، وحجره، وأخذ أخلاقه، وتأدب بآدابه، مع ملاحة خط، وترسل، وشعر في غاية الجودة، وديوانه كبير، إلا أنه كان قبيل موته اختاره، على ما أخبرني به أبو الفرج الببغاء، فنفى منه شيئاً كثيراً.

قال: واقفني على نفيه، لأنه عرضه علي، فكل ما استضعفناه نفاه، وما اجتمعنا على استجادته أقره، وحرره في نسخة تداولها الناس ومات وما بلغ الأربعين، مقتولاً.

قال: وأظن مبلغ سنه كانت سبعاً وثلاثين سنة، أو نحوها، لما قتل.

وكان قرغويه غلام أبي الهيجاء الذي كان أحد قواد سيف الدولة، وحاجبه، احتال عليه، حتى قتله في سنة سبع وخمسين وثلثمائة.

قال: وذلك أن الجيوش السيفية افترقت بعد وفاة صاحبها، فكل قطعة حوت بلداً، وصار معظمهم مع قرغويه بحلب، واحتوى عليها وانضمت قطعة إلى أبي فراس، فغلب بها على حمص.

فلما استقام الأمر لقرغويه، رحل بالأمير أبي المعالي شريف بن سيف الدولة، وهو ذاك صبي، وأبو فراس خاله، لقتال أبي فراس، ثم جرت بينهما مراسلة، واصطلحوا.

وجاء أبو فراس، وهو لا تحدثه نفسه أن قرغويه يجسر عليه، ولا أنه يخاف أبا المعالي وهو ابن أخته، فدخل إلى أبي المعالي وخرج، وما أحب الأمير أبو المعالي به سوءاً.

إلا أن قرغويه خاف أن يتمكن من ابن أخته، فيحمله على قتله، فنصب له قوماً اغتالوه في العسكر، وهم عقيب حرب لم تهدأ، وتخليط لم يسكن.

وأراد الأمير أبو المعالي إنكار ذلك، فمنعه قرغويه، وطاح دم الرجل، رحمه الله.

وحدثني أبو الحسن، أن أبا محمد الصلحي، وكان أبوه يكتب لأبي فراس أيام ملكه، حدثه بمثله، على غير هذا، وجملته: أنه أسر، فجاء وهو أسير، راكباً، فما شاهدته طائفة من غلمان سيف الدولة، إلا ترجلت له، وقبلت فخذه، فلما رأى ذلك قرغويه قتله في الحال.

كيف أسر أبو فراس الحمداني

قال: وكان سيف الدولة، قلده منبج وحران وأعمالهما، فجاءه خلق من الروم، فخرج إليهم في سبعين نفساً من غلمانه وأصحابه، يقاتلهم، فنكأ فيهم، وقتل، وقدر أن الناس يلحقونه، فما اتبعوه، وحملت الروم بعددها عليه، فأسر.

فأقام في أيديهم أسيراً سنين، يكاتب سيف الدولة أن يفتديه بقوم كانوا عنده من عظماء الروم، منهم البطريق المعروف بأغورج، وابن أخت الملك، وغيرهما، فيأبى سيف الدولة ذلك، مع وجده عليه، ومكانه من قلبه، ويقول: لا أفدي ابن عمي خصوصاً، وأدع باقي المسلمين،ولا يكون الفداء إلا عاماً للكافة، والأيام تتدافع.

إلى أن وقع الفداء قبيل موت سيف الدولة، في سنة خمس وخمسين وثلثمائة، فخرج فيه أبو فراس، ومحمد بن ناصر الدولة، لأنه كان أسيراً في أيديهم، والقاضي أبو الهيثم عبد الرحمن بن القاضي أبي الحصين علي بن عبد الملك، لأنهم كانوا أسروه أيضاً في حران، قبل ذلك بسنين، وخرج من المسلمين عدد عظيم.

قال: ولأبي فراس كل شيء حسن من الشعر، في معنى أسره.

فمن ذلك، أن كتب سيف الدولة تأخرت عنه، وبلغه إن بعض الأسراء قال: إن ثقل هذا المال على الأمير سيف الدولة، كاتبنا فيه صاحب خراسان، فاتهم أبا فراس بهذا القول، لأنه كان ضمن للروم وقوع الفداء، وأداء ذلك المال العظيم، فقال سيف الدولة: ومن أين يعرفه أهل خراسان؟ فكتب إليه قصيدة أولها:

أسيف الهدى وقريع العرب ... إلى م الجفاء وفيم الغضب

وما بال كتبك قد أصبحت ... تنكبني مع هذي النكب

وإنك للجبل المشمخر ... لي ولقومك بل للعرب

علي تستفاد وعاف يفاد ... وعز يشاد ونعمي ترب

وما غض مني هذا الأسار ... ولكن خلصت خلوص الذهب

ففيم يقرعني بالخمول ... مولى به نلت أعلى الرتب

أتنكر أني شكوت الزمان ... وأني عتبتك فيمن عتب

فالا رجعت فأعتبني ... وصيرت لي ولقولي الغلب

ولا تنسين إلي الخمول ... عليك أقمت فلم أغترب

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account