FluentPlex

Table-Talk

هل جزاء الإحسان إلا الإحسان

Original text Public domain

Read with the dictionary

فقال: أحضر هذا الجاهل عبيد الله بن سليمان، وعرفه ما شكا منه إسماعيل بن ثابت، وأن جزاءه عليه الإبعاد إلى طنجة، وقبض نعمته، وضياعه، وأني أعرفه بالعجب والجهل، ولولا أن الزمان، قد كفاني، بإسقاط أبيه، وأنه صار إلى منزلة، إن عاقبنه بما يستحقه، جعلت له سوقاً، لما أخرت عقوبته، ولكن قل له: والله لولا تذممي، لأمرت بالآخر أن يصفع من داره إلى ديوان إسماعيل بن ثابت، ويقام على رجله، حتى يؤدي ما عليه، ولا تدعه من الديوان، أو يحضر وكيله وحاجبه، فيسلمهما إلى إسماعيل بن ثابت، وتصرفه حينئذ، ليطالبهما إسماعيل، بما عليه.

قال: فخرجت، وكتبت إليه رقعة، أستدعيه فيها إلى الديوان، دعوت له فيها، كما يدعى من الديوان لمثله، وهي سطران دعاء، وترجمتها في ظاهرها: " لأبي فلان، من فلان " .

وكان الكاتب كتبها عني، فلما عرضها عليّ، زدت فوق الدعاء، بخطي، يا سيدي، وكتبت في داخل الرقعة، عبدك، وإنما أردت توفيته الحق بذلك، وستر الأمر عن كاتبي، لئلا يسمع أني خاطبته بتعظيم، فأقع في مكروه، مع إسماعيل.

وزدت في آخر الرقعة بخطي: أنه لا يجب أن يستوحش من شيء أتوسطه، فإني أحوطه بجهدي، وأن سبيله أن يحضر عشياً، ليكون مجلسي خالياً، فأوفيه الحق، ولا يجيء " 65 " غدوة، فإن وفيته الحق لحقني من الوزير إنكار، وإن قصرت تذممت إليه، وراعيت العواقب فيه.

فجاءني في جواب الرقعة، عشياً، فقمت إليه، وكان هذا عظيماً، محظوراً على مثلي، وخاصة في الديوان، وصدرته، وجلست بين يديه وعرفته ما جرى من الزغل، وأعدت من كلام الوزير، من الإنكار، والإيعاد، ما جمل لفظه.

وقلت: قال أشياء أخرى كثيرة، قبيحة، هائلة، لا أستحسن تلقيك بها، وأجل سمعك عن إيرادها عليك، هذا أقلها وأحسنها، ومع ذلك فإنه أمرني، أن لا تبرح، أو تحضر الوكيل والحاجب، ثم أستأذنه في انصرافك، فأجاب، إن فعلت هذا، وأن يصير لك اعتقال إن خالفت، ثم لا أدري أي شيء ينجر عليك، وأكون سببه، ولكن اجعلني على ثقة من إنفاذك الرجلين إليه، وانصرف، لأعرفه ما جرى، فإن أنكر علي انصرافك بغير إذن، جحدته أني سمعت ذلك منه، وكن على تحرز، من غير أن يشيع ذلك، إلى أن يجيئك ثقتي بجلية الصورة، فتعمل بها، وبحسبها، إما في الأمن، أو الهرب.

فشكرني، وقال: ما أطمع أن أكافيك على هذا.

وقام، وقمت بقيامه، وودعته، وقلت: يا غلمان، بأسركم، بين يديه، فخرج، وأنفذ الرجلين، وتوقى توقياً ضعيفاً، ودخلت، فعرقت الوزير الصورة، وجملت القصة، وأمرني بترك التعرض له، وتسليم الرجلين إلى الزغل.

فأحضرت الزغل، وسلمت الرجلين إليه، وقلت له: تقبل رأيي؟ فقال: قل.

فقلت: قد بلغت ما تريد، فأحسن في الأمر ما قدرت.

فقال: يا سيدي، هذا إبطال للعمل، ولا بد من تقويمهما.

فجهدت به في الإحسان، فلم يفعل، وأنفذ الرجلين، إلى باب عبيد الله، فضربهما عليه، كل واحد منهما، عشرين مقرعة، وصفع الوكيل، بعد الضرب، خمسين صفعة، واستخرج الدراهم.

ومضت السنون على هذا، وفرج الله عن عبيد الله " 66 " ، وتقلد الوزارة، فاستترت، لأجل اختصاصي بإسماعيل الوزير، وما ألتزم من جهته.

وقبض عبيد الله، على الزغل، وكان أول من صودر، من أسباب إسماعيل، وعومل من المكاره، بما لم يسمع بأعظم منه، ولم يتصرف في أيام عبيد الله، إلى أن مات وهو يتصدق.

واستترت أنا، أياماً، فلم يعرض عبيد الله لطلبي، ولا لشيء من داري، وضيعتي، ولا لأهلي، ولا معاملي، فأنست بذلك، وكتبت إليه بعد ذلك، أسأل الأمان، فأمنني.

فحضرت مجلسه، وهو حافل بالناس، وبين يديه الخلق، من أصحاب الدواوين والقواد.

فحين رآني، قام إلي قياماً تاماً.

فقبلت رجليه، وقلت: يقيلني الوزير أطال بقاءه، وليس هذا محلي.

فقال: ولم؟ ما يفي قيامي لك، بقيامك لي، لأنك قمت لي في وقت عرضت - بقيامك لي - نفسك، ودمك، ونعمتك، وحالك، لذلك العدو لله، وعاملتني، بما لا يفي به شكري، ولك عندي كلما تحبه، ولن يلحقك سوء في مالك ولا غيره.

قال: ولج به المعتضد، في مصادرتي، وهو يدفعه عني، ويقول له أشياء يدفع بها عني، لا أصل لها، منها: أنه قال له: هذا قد صادره إسماعيل، في أيام تصرفه معه، دفعات، وأفقر على سبيل القرض، وكانت له نفقات عظيمة، ومروءة، وهو مع هذا عفيف، لا يرتفق بشيء، ولا يجاوز رزقه، ولا حال له، فيصادر، ولا طريق عليه.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account