قال: بلى.
فتأملته، فإذا هو مائة عدل، و كانت هذه الأعدال، قد حملت إلي من مصر، في كل عدل منها ألف دينار، و كانت هناك ، فخافوا عليها، فجعلوها في أعدال الخيش، فوصلت سالمة، و لاستغنائي عن المال، لم أخرجه من الأعدال، و تركته في بيت من داري، و قفلت عليه، و نقل كل ما في داري، فكان آخر ما نقل منها، الخيش، و لم يعرف أحد ما فيه، فلما رأيته بشده، طمعت في خلاصه.
فلما كان بعد أيام من خروجي، راسلت السيدة، و شكوت حالي إليها، و سألتها أن تدفع إلي ذلك الخيش لا نتفع بثمنه، إذ كان لا قدر له عندهم، و لا حاجة بهم إليه، فوعدتني بخطاب مقتدر في ذلك.
فلما كان بعد أيام، أذكرتها، فقالت: قد أمر بتسليمه إليك.
فسلم إلي بأسره، ففتحته، فأخذت منه المائة ألف دينار ما أضاع منها شيء، و بعت من الخيش و ما أرادت، بعد أن أخذت منه قدر الحاجة .
الوزير ابن الفرات يحسن إلى عطار
حكى أن ابن الفرات اجتاز يوماً ببعض الطرق، فاتفق أن سار تحت ميزاب، فوقع عليه منه ما لوث ثيابه، و سرجه، و دابته، فوقف في الطريق، و أنفذ إلى داره من يحضره خلعة ثياب أخرى، فرآه رجل عطار كان في الموضع، فقام إليه، و سأله أن يدخل إلى منزله، و يقيم فيه، إلى أن يعود الرسول بالثياب، ففعل، و أقام عنده، و خلع ما كان عليه، و تنظف بالماء مما كان أصابه، و أحضره الغلام الثياب، فلبسها، ثم سأله العطار، أن يأذن له في إحضار بخور يتبخر به، فأذن له، و ركب أبو الحسن.
و مضت الأيام، فلما ولي الوزارة، كانت حال العطار قد اختلت، و رزحت .
فقالت له زوجته: لو مضيت إلى الوزير، و تعرفت عليه بخدمتك كانت له ، لرجوت أن ينظر في أمرك نظراً يغير به حالك.
فأعرض عن قولها، و استبعد الأمل مما ذكرته.
ثم ألحت عليه في القول، فمضى، و دخل دار أبي الحسن، و تعرض له، إلى أن رآه، فأمسك، و انصرف.
فعرف زوجته ما جرى، فأشارت عليه بالعود.
فعاد و معه رقعة يستميحه فيها، و لم يزل حتى وجد فرصة، فعرضها عليه، فلما وقف عليها، قال: سل حاجة، تقض لك.
و اتفق أن صار إليه من خاطبه في أمر كاتب للعيال ، كان محبوساً، و سأله مسألة الوزير إطلاقه، و ضمن له خمسة آلاف دينار له خاصة، و للوزير عشرين ألف دينار، على يده، و للحواشي خمسة آلاف دينار، و واقفه على تعديل المال، عند بعض التجار بالكرخ.
فلما توثق منه، قصد الوزير، و معه رقعة بالصورة، فأمره بحمل المال، ليطلق له الرجل.
فحمل المال، فلما حصل في الدار، منع بعض الخدم من إدخاله في الخزانة، إلى أن يؤذن في قبضه.
و عرف الوزير أمره، فتقدم إلى العطار، أن يفرق ما للحاشية عليهم، و يأخذ جميع الباقي لنفسه، و أمر بإطلاق كاتب العيال.
فاستعظم العطار ذلك، و ملأ قلبه، و رأى قدره يصغر عن مثله، فقال للوزير: يقنعني من هذا كله، ألف دينار، أغير بها حالي، و أجعلها رأس مالي.
فقال له: خذ الجميع، عافاك الله، و لا تكثر علي في الخطاب.
فخرج من حضرته، و صار إلى أبي أحمد المحسن، و عرفه الحال، و أنه يقنعه اليسير مما أعطيه، و أومأ إلى حمل الباقي إليه.
فقال له أبو أحمد: يأمر لك الوزير بشيء و أصانعك عليه؟ خذ المال، و انصرف .
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
و انبثت عن عمر ابن أحمد بن هبة الله، قال: أنبأنا أبو عبد الله الحنبلي، بأصبهان، عن أبي طاهر التاجر، قال: أنبأنا أبو القاسم بن منده، إذناً، عن أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا اللغوي، قال: حدثني أبو الحسن البصري، قال: قال لي رجل: كنت أخدم علي بن محمد بن الفرات، وزيراً، فقال: فغضب عليه السلطان، و تقدم بحبسه.
قال: و كان عندي خمسمائة دينار، فقلت لامرأتي، و كانت ذات عقل و رزانة: إني أريد أن أحمل هذه الدنانير إلى الوزير، لعله يحتاج إليها في حبسه.
قالت: ويحك، إن ابن الفرات، لا يحمل إليه خمسمائة دينار، فإنه يستخفها، و حاملها.
قال: فعصيتها، و حملت الدنانير.
فلما رآني، تعجب، و قال: فلان؟ قلت: نعم، أيد الله سيدنا.
قال: حاجتك؟ فأخرجت الصرة، و قلت: هذه خمسمائة دينار، و لعلها تصلح أن تبر بها بواباً، أو موكلاً.
فقال: قبلتها، ثم قال: خذها، تكون وديعة عندك.
قال: فخجلت، و رجعت إلى امرأتي، و حدثتها، فقالت: قد كنت أشرت عليك، أن لا تفعل، فأبيت.