ثم إن أبا سماعة، هجا بعد ذلك سليمان بن أبي جعفر ، و كان إليه محسناً، فأمر به الرشيد ، فحلق رأسه و لحيته .
كلب يرج صاحبه من حفرة دفن فيها حياً
أنبأنا الفقيه أبو موسى عيسى بن أبي عيسى القابسي ، قال: أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي قراءة عليه، قال: حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن محمد بن زكريا بن حيويه الخزاز ، أن أبا بكر محمد بن خلف بن المرزبان ، أخبرهم، قال: أنشدني أبو عبيدة ، لبعض الشعراء:
يعرج عنه جاره و شقيقه ... و يرغب فيه كلبه و هو ضاربه
قال أبو عبيدة: قيل هذا الشعر، في رجل من أهل البصرة خرج إلى الجبانة ينتظر ركابه، فاتبعه كلب له فطرده، و ضربه، و كره أن يتبعه، و رماه بحجر فأدماه، فأبى الكلب إلا أن يتبعه.
فلما صار إلى الموقع، وثب به قوم، كانت لهم عنده طائلة ، و كان معه جار له، و أخ، فهربا عنه، و تركاه و أسلماه، فجرح جراحات كثيرة، و رمي به في بئر، و حثوا عليه التراب، حتى واروه، و لم يشكوا في موته، و الكلب مه هذا يهر عليهم ، و هم يرجمونه.
فلما انصرفوا، أتى الكلب إلى رأس البئر، فلم يزل يعوي، و يبحث في التراب بمخالبه، حتى ظهر رأس صاحبه و فيه نفس يتردد، و قد كان أشرف على التلف، و لم يبق فيه، إلا حشاشة نفسه، و وصل إليه الروح.
فبينما هو كذلك، إذ مر أناس، فأنكروا مكان الكلب، و رأوه كأنه يحفر قبراً، فجاءوا، فإذا هم بالرجل على تلك الحال، فاستخرجوه حياً و حملوه إلى أهله.
فزعم أبو عبيدة، أن ذلك الموضع، يدعى: بئر الكلب.
كلب خلص صاحبه من موت محقق
حدثني عبد الله بن محمد الكاتب، قال: حدثني أبي، عن محمد بن خلاد ، قال: قدم رجل على بعض السلاطين، و كان معه حاكم أرمينية، منصرفاً إلى منزله، فمر في طريقه بمقبرة، فإذا قبر عليه قبة مبنية، مكتوب عليها: هذا قبر الكلب، فمن أحب أن يعلم خبره، فليمض إلى قرية كذا و كذا، فإن فيها من يخبره.
فسأل الرجل عن القرية، فدلوه عليها، فقصدها، و سأل أهلها، فدلوه على شيخ، فبعث إليه، و أحضره، و إذا شيخ قد جاوز المائة سنة، فسأله، فقال: نعم، كان في هذه الناحية ملك عظيم الشأن، و كان مستهتراً بالنزهة و الصيد و السفر، و كان له كلب قد رباه، و سماه باسم، و كان لا يفارقه حيث كان، فإذا كان وقت غدائه و عشائه، أطعمه مما يأكل.
فخرج يوماً إلى بعض متنزهاته، و قال لبعض غلمانه: قل للطباخ، يصلح لنا ثريدة لبن، فقد اشتهيتها، فأصلحوها، و مضى إلى متنزهاته.
فوجه الطباخ، فجاء بلبن، و صنع له ثريدة عظيمة، و نسي أن يغطيها بشيء، و اشتغل بطبخ شيء آخر.
فخرج من بعض شقوق الحيطان أفعى، فكرع من ذلك اللبن، و مج في الثريدة من سمه، و الكلب رابض، برى ذلك كله، و لو كان له في الأفعى حيلة لمنعها، و لكن لا حيلة للكلب في الأفعى و الحية، و كان عند الملك جارية خرساء، زمنة ، قد رأت ما صنع الأفعى.
ووافى الملك من الصيد في آخر النهار، فقال: يا غلمان، أول ما تقدموان إلي الثريدة.
فلما قدموها بين يديه، أومأت الخرساء إليهم، فلم يفهموا ما تقول، و نيح الكلب و صاح، فلم يلتفتوا إليه، و ألح في الصياح ليعلمهم مراده فيه.
ثم رمى إليه بما كان يرمي إليه في كل يوم، فلم يقربه، و لج في الصياح.
فقال لغلمانه: نحوه عنا، فإن له قصة، و مد يده إلى اللبن.
فلما رآه الكلب، يريد أ، يأكل، وثب إلى وسط المائدة، و أدخل فمه في اللبن و كرع منه، فسقط ميتاً، و تناثر لحمه.
و بقي الملك متعجباً منه و من فعله، فأومأت الخرساء إليهم، فعرفوا مرادها، و ما صنع الكلب.
فقال الملك لندمائه و حاشيته: إن كلباً قد فداني بنفسه، لحقيق بالمكافأة، و ما يحمله و يدفنه غيري، و دفنه بين أبيه و أمه، و بنى عليه قبة، و كتب عليها ما قرأت، و هذا ما كان من خبره .
أبو الحسن القمي يقترح أصواتاً
كان أبو الحسن القمي، يكتب لروزبهان بن ونداد خورشيد ، على إقطاعه في السواد، و خليفة عنه بحضرة معز الدولة ، ببغداد، و كان يهوى منداة جارية قهرمانة ابن مقلة ، و هي صبية مليحة الوجه، طيبة الغناء، و كان من أصواته عليها:
أيا راهبينجران ما فعلت هند ... أقامت على عهدي و أني لها عهد