فقال هبة الله أبو العباس المنجم، لكني سمعت هذا الشعر، و أبو العباس ليس بحي، و لا أبو إسحاق النصيبي ، فأعرف صحته، إلا أني أثق بخبر أبي علي ، و الشعر هو:
أظهر هذا الشيخ مكنونه ... و جن لما أبصر الجونه
شح عليها إذ رأى حسنها ... و هي بلحم الطير مشحونه
أسلم للعاثور إسلامه ... و باع في أكلتها دينه
منجم يأخذ طالع المعتصم
ذكر التنوخي في الجزء السابع من نشوار المحاضرة، قال: حدثني علي ابن العباس النوبختي ، قال: جدثني محمد بن داود بن الجراح ، قال: حدثني أبو علي الحسن بن وهب ، قال: رأيت يوماً محمد بن عبد الملك الزيات ، قد عاد من موكب المعتصم ، قبل خروجه إلى سامراء، و هو على غاية من الضجر، و كنت جوراً عليه.
فقلت: ما لي أرى الوزير أيده الله مهموماً؟ قال: أفما عرفت خبري؟ قلت: لا.
قال: ركب أمير المؤمنين، و أنا أسايره من جانب، و ابن أبي دؤاد يسايره من الجانب الآخر، حتى بلغنا رحبة الجسر، فأطال الوقوف، حتى ظننا أنه ينتظر شيئاً.
ثم أسرع خادم يركض، حتى أسر إليه سراً، فقال: غممتني، و كر راجعاً إلى الجانب الشرقي، فلما توسط الطريق جعل يضحك، و لا شيء يضحكه.
فجسر عليه ابن أبي دؤاد، فقال: إن رأى أمير المؤمنين، أن يشركنا بالسرور فيما يسره.
قال: ليست لكما حاجة في ذلك.
فقال ابن أبي دؤاد: بلى.
قال: أما إذا سألتماني لم ركبت اليوم، فإني اعتمدت أن أبعد، و صرت إلى رحبة الجسر، فذكرت منجماً كان يجلس فيها أيام فتنة الأمين ، و بعدها، و كان موصوفاً بالحذق قديماً، و كنت أسمع به.
فلما غلب إبراهيم بن شكلة ، على الامور، اعتمد علي في الرزق، و أجرى لي خمسمائة دينار في الشهر، و لم يكن أحد داخله أكثر رزقاً مني، لأن جيشه إنما كان كل واحد له تسعة دراهم و عشرة، و القواد مثلها دنانير و نحو ذلك، لضيق الأحوال، و خراب البلاد، و الناس إنما كانوا يقاتلون معه عصبية، لا لجائزة.
فركبت يوماً حماراً، متنكراً لبعض شأني، فرأيت ذلك المنجم، فتطلعت إليه نفسي أن أسأله عن أمر إبراهيم و أمري، و هل يتم لنا شيء، أم يغلبنا المأمون ، فعدلت إلى المنجم، و كنت متنكراً.
و قلت للغلام: أعطه ما معك، فأعطاه درهمين.
و قلت له: خذ الطالع، و اعمل لي مسألة، ففعل.
ثم قال لي: سألتك بالله هل أنت هاشمي؟ قلت: ما سؤالك عن هذا؟ فقال: كذا يوجب الطالع، فإن لم تصدقني لم أنظر لك.
فقلت: نعم.
قال: فهذا الطالع أسد، و هو الطالع في الدنيا، و إنه يوجب لك الخلافة، و أنت تفتح الآفاق، و تزيل الممالك، و يعظم جيشك، و تبني لك بلاداً عظيمة، و يكون من شأنك كذا، و من أمرك كذا، و قص علي جميع ما أنا فيه الآن.
قلت: فهذا السعود، فهل علي من النحوس؟ قال: لا، و لكنك إذا ملكت، فارقت وطنك، و كثرت أسفارك.
قلت: فهل غير هذا؟ قال: نعم، ما شيء أنحس عليك من شيء واحد.
قلت: ما هو؟ قال: يكون المتولون عليك في أيام ملكك، أصولهم دنية، سفلة، فيغلبون عليك، و يكونون أكابر أهل مملكتك.
قال: فعرضت عليه دراهم كانت في خريطة معي في خفي، فحلف أن لا يقبل غير ما أخذه.
و قال: إذا وليت هذا الأمر فاذكروني، و أحسن في ذلك الوقت إلي. فقلت: أفعل.
و لكني ما ذكرته إلى الآن، و لما بلغت الرحبة، وقعت عيني على موضعه فذكرته، و ذكرت كلمته، و تأملتكما حوالي، و أنتما أكبر أهل مملكتي، و أنت ابن زيات ، و هذا ابن قيار و أومأ إلى ابن أبي دؤاد فإذا قد صح جميع ما قال.
فأنفذت هذا الخادم في طلبه و البحث عنه، لأفي له بسالف الوعد، فعاد إلي، و ذكر أنه قد مات قريباً، فكسلت، و غمتني أن فاتني الإحسان إليه، فرجعت عن الأبعاد، و أخذني الضحك، إذ ترأس في دولتي أولاد السفل.
قال: فانكسرنا، و وددنا أنا ما سألناه.
كيف اتصل نوبخت المنجم
بأبي جعفر المنصور أخبرنا القاضي أبو القاسم التنوخي، قال: أنبأنا محمد بن عبد الرحيم المازني ، قال: أنبأنا الحسين بن القاسم الكسروي ، قال: حدثني أبو سهل بن علي بن نوبخت ، قال: كان جدنا نوبخت على دين المجوسية، و كان في علم النجوم نهاية، و كان محبوساً في سجن الأهواز.