فقال: أهرب، لأن الدار بعد ساعة تنهب.
و مضى أبو يوسف، إلى أبي عبد الله، فقتله في ذلك اليوم .
و كان هذا الخبر مشهوراً، عن أبي القاسم غلام زحل، نقله أبي، و شهد بصحته.
و كان يحكي ذلك في تلك الأيام، و أنا صبي، فأسمع ذلك، و كان يعده من إصابات، غلام زحل.
سهلون و يزدجرد ابنا مهمندار الكسروي
و ممن وصف بعلم النجوم، سهلون، و يزدجرد، ن علماء الإسلام فيما ذكره التنوخي في رابع أجزاء النشوار، فقال ما هذا لفظه: حدثني أبو عبد الله محمد الحارثي ، قال: كان ببغداد، في أيام المقتدر، أخوان، كهلان، فاضلان، و عندهما من كل فن مليح، و هما من أحرار فارس، قد نشآ ببغداد، و تأدبا بها، و تعلما علوماً كثيرة، يقال لأحدهما: سهلون، و للآخر يزدجرد، ابنا مهمندار الكسروي، و يعرفان بذلك، لانتسابهما إلى الأكاسرة، و كانا ذوي نعمة قديمة، و حالة ضخمة، و كنت ألزمهما، على طريق الأدب.
و كان ليزدجرد منهما، كتاب حسن ألفه في صفة بغداد ، و عدد سككها، و حماماتها، و شوارعها، و ما تحتاج إليها في كل يوم من الأقوات و الأموال، و ما تحتوي عليه من الناس، و عدة كتب أدبية و فلسفية، قرت أكثرها عليه.
و كان هو و أخوه ينشدان الشعر الجيد لأنفسهما، و سهلون بن مهمندار كان لزم بعض الرؤساء، و عمل له رسائل و قصائد.
ثم ذكر التنوخي، ن شعر سهلون، ما يقتضي علمه بالنجو، فقال: أنشد من شعره:
تعففت عن أخذ الدراهم و البر ... ليمسك من سري فبالغت بالستر
و لم ير ميلي للجين و للتبر ... و لكن لإكرامي و أن يعرفوا قدري
و لست أسوم الناس صعباً من الأمر ... و لا عابني حال من العسر و اليسر
و لا أنا ممن يمدح الناس بالشعر ... و لا أنا من يهجو بشعر و لا نثر
و لكنني رب العلوم و ذو الأمر ... بنظم تغليه الجواري على الدر
و لي دربة طالت على كل عالم ... إذا أعوز الإنسان علم بما يدري
من الطب و التنجيم من بعد منطق ... و لا علم إلا ما أحاط به صدري
و ها أنا سيف الله علماً بدينه ... أذب عن التوحيد في أمم الكفر
ثم ذكر تمام الأبيات، و المراد منها ما ذكره عن نفسه في عالم النجوم.
أبو العباس بن المنجم
يعرض بأبي عبد الله البصري المتكلم و ن المعروفين بعلم النجوم من أهل الإسلام، و إن لم يعرف له شيء من الأحكام، ممن ذكرهم التنوخي، في كتابه النشوار، جماعة، منهم: أبو بكر ابن عمر ، و قد صنف كتباً كثيرة في النجوم.
و منهم أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجم .
و نمهم يحيى بن أبي منصور المنجم ، و كان يحيى مجوسياً، أسلم على يد المأمون، فصار مولاه بذلك، و كان خصيصاً به، و منجمه، و نديمه.
و أبو منصور، والده، منجم المنصور .
و منهم أبو الحسن محمد بن سليمان، صاحب الجيش، و كان منقطعاً إلى أبي علي بن مقلة، قبل الوزارة، و بعدها، مختصاً به من اجل النجوم و الأدب.
و منهم الحسن بن علي بن زيد المنجم ، غلام أبي نافع، عامل معز الدولة على الأهواز و قطعة من كورها، و محله عنده محل أحد وزرائه.
و منهم والد أبي العباس هبة الله بن المنجم، الذي ذكر التنوخي، أن ولده أبا العباس جرت له حكاية، فقال: أنشد أبو العباس لنفسه، يعرض بأبي عبد الله البصري المتكلم ، لما صير له عضد الدولة رسماً، أن يحمل من مائدته كل يوم جونة كبيرة، طعاماً، تشريفاً له بذلك.
و أنا أقول: كان سبب ذلك، أنه أقطعه إقطاعاً بمال جليل في كل سنة، فلم يقبل، فبذل له شراء ضباع يوقفها عليه، بدل هذا الإقطاع، و تستطاب غلتها، و يصخ إنفاقها، فلم يقبل، و أبى.
قال عضد الدولة : فلا أقل من أن ينفذ إليك في كل يوم، نم حضرتي، بما تأكله، و في كل فصل بكسوة، و طيب تستعمله.
فأجاب في ذلك.
فأنفذ إليه ثياباً جليلة، من صنوف القطن، و الكتان، و العود الهندي، و نواعاً من العطر، و صار ينفذ إليه جونة في كل يوم، مع غلام من أصحاب مائدته، من الطعام الذي يقدم إليه، ثم يشال من بين يديه.