فلما طابت نفسه، قال: يا فلان، تذكر أيامنا الأولة؟ قلت: نعم.
قال: أنا الآن في نعمة متوسطة، وما قد أفدته من العقل، والعلم بالزمان، أحب إلي من تلك النعمة، هو ذا ترى فرشي؟ قلت: نعم.
قال: إن لم تكن بذلك العظم، فهو مما يحتمل به أوساط الناس.
قلت: نعم.
قال: وكذلك آلتي، وثيابي، ومركوبي، وطعامي، وفاكهتي، وشرابي، فأخذ يعدد ويقول في كل فصل: إن لم يكن ذلك المفرط، ففيه جمال، وبلاغ، وكفاية.
إلى أن ذكر كل ما عنده، ويضيف ذلك أمره الأول، ويقول: هذا يغني عن ذلك، قد تخلصت من تلك الشدة الشديدة، تذكر يوم عاملتني المغنية لعنها الله بما عاملتني به؟ وما عاملتني به أنت ذلك اليوم، وقلته في كل يوم، وفي يوم الزجاج؟ فقلت: هذا قد مضى، والحمد لله الذي أخلف عليك، وخلصك مما كنت فيه، فمن أين لك هذه النعمة، والجارية التي نغنينا الآن؟ فقال: اشتريها بألف دينار، وربحت جذور القيان، وآمري الآن على غاية الإنتظام والإستقامة.
فقلت: من أين هذا؟ قال: مات خادم لأبي، وابن عم لنا بمصر، في يوم واحد، فخلفا ثلاثين ألف دينار، فحملت إلي بأسرها، فوصلت في وقت واحد، وأنا بين القطن، كما رأيت، فحمدت الله، وأعتقدت أن لا أبذر، وأن أدبر، وأعيش بها إلى أن أموت، وأنفقها على اقتصاد.
فعمرت هذا الدار، واشتريت جميع ما فيها من فرش وآلة وثياب ومركوب وجواري وغلمان، بخمسة آلاف دينار، وجعلت تحت الأرض خمسة آلاف دينار، عدة للحوادث، وابتعت ضياعاً ومستغلات بعشرة آلاف دينار، تغل لي في كل سنة، مقدار نفقي، على هذا المقدار الذي تراه من النفقة، ويفضل لي في كل سنة إلى وقت ورود الغلات، شيء آخر، حتى لا أحتاج أن أقترض ولا أن أستدين، وأمري يمشي على هذا.
وأنا في طلبك منذ سنة، ما عرفت لك خبراً، فإني أحببت أن ترى رجوع حالي، ومن دوام صلاحها، واستقامها، أن لا أعاشرك، يا عاض بظر أمه، أبداً، خذوا يا غلمان برجله.
فجروا والله برجلي، وأخرجوني، ولم يدعوني أتمم شربي عنده ذلك اليوم.
وكنت ألقاه بعد ذلك على الطريق راكباً.
فيضحك إذا رآني، ولا يعاشرني، ولا أحداً من تلك الطبقة.
ويبعد في نفسي، ما حكي من أمر سفاتج الأعراب والأكراد، والزجاج، فإن هذا عندي، لا تسمح به نفس مجنون.
ابن الدكيني يرث عن والده
خمسمائة ألف دينار: ولكن قد حكي: أن رجلاً من أولاد التجار ببغداد، يقال له: ابن الدكيني، وخبره مشهور ببغداد، مات أبوه، فخلف عليه خمسمائة ألف دينار، فلعب بها لعباً لم يسمع قط بأعظم منه.
وكان يضاهي المقتدر، وإذا بلغه أنه عمل شيئاً من ألوان اللذة والطيب واللعب، عمل ما يقاربه من جنسه.
وإنه كان يجذر دائماً بمائتي دينار في يوم، وينثر على المغنيات خمسة آلاف درهم، وعشرة آلاف درهم، غير دفعة، ويهب لهم الخلع، كل خلعة بثلاثة آلاف درهم، وألفي درهم، ومائة دينار.
ويهب منها في مجلس، عشر خلع، وخمس عشرة خلعة، يخرجها من دكان أبيه من التخوت، فيهبها.
وأنه كان إذا أصبح مخموراً، أحضر الثياب الدبيقي، فتخرق بحضرته باليد، عصائب للفصد، ويقول: لا يزيل خماري غير سماع أصواتها.
وإنه أنفق في فصاد فصدته عشيقته، ثلاث آلاف دينار.
وأشياء من هذا السرف.
وإنه لما لم يبق إلا نحو خمسين ألف دينار من ماله، تاب من هذا كله، ولزم يده، وتجهز للحج.
فأنفق فيه، وفي أبواب الثواب عشرة آلاف دينار.
فلما قضى حجه، وعاد يريد بغداد، مات في طريقه وهو شاب، فورث ورثته باقي ذلك المال.
وآخر في بالبصرة ورث عن والده
مائة ألف دينار: وسمعت بعض الطياب، يقول، وقد جرى ذكر رجل عندنا بالبصرة، ورث مقدار مائة ألف دينا، فتقاين بها في سنين قريبة، وعاد فقيراً.
فقال له ذلك الرجل: يا أخي فرسخ قراصنة في هذا العمل بضاعة.
تاجر من العسكر يحاسب ولده
على ما أتلف من المال: حدثني أبو الحسن، أحمد بن يوسف الأزرق، قال: كان بالعسكر رجل تاجر، موسر من التجار، يقال له أحمد بن عمر بن حفص، فخرج إلى أصفهان، فأنفق ابن له من ماله في القيان، ثلاثة آلاف دينار، وكوتب بذلك، فعاد.
فلما اجتمعا، طالبه بالحساب، فدافع.