FluentPlex

Table-Talk

طرائف من مخاريق الحلاج

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

وحدثني أبو الحسين بن عياش، عمن حضر مجلس حامد ابن العباس الوزير، وقد جاءوا بدفاتر وجدت للحلاج، فيها: إن الإنسان إذا أراد الحج فإنه يستغني عنه، بأن يعمد إلى بيت داره، فيعمل فيه محراباً ذكره، ويغتسل، ويحرم، ويقول كذا، ويفعل كذا، ويصلي كذا، ويطوف بهذا البيت كذا، ويسبح كذا، ويصنع كذا، أشياء قد رتبها وذكرها من كلام نفسه، قال: فإذا فرغ من ذلك، فقد سقط عنه الحج إلى بيت الله الحرام.

وهذا شيء معروف عند الحلاجية، وقد اعترف لي رجل منهم، يقال إنه عالم لهم، ولكن ذكر أن هذا رواه الحلاج عن أهل البيت صلوات الله عليهم، وقال ليس عندنا إنه يستغني به عن الحج، ولكنه يقوم مقامه، إن لم يقدر على الخروج، بإضافة، أو منع، أو علة، فأعطاني المعنى، وخالف في العبارة.

قال لي أبو الحسين: فسئل الحلاج عن هذا، وكان عنده إنه لا يوجب عليه شيئاً، فأقر به، وقال: هذا شيء رويته كما سمعته، فتعلق بذلك عليه.

واستفتى حامد، القاضيين أبا جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي الأنباري، وأبا عمر محمد بن يوسف، وهما إذ ذاك، قاضياً بغداد.

فقال أبو عمر: هذه زندقة، يجب عليه القتل بها، لأن الزنديق لا يستتاب.

وقال أبو جعفر: لا يجب عليه القتل، إلا أن يقر بأنه يعتقد هذا، لأن الناس قد يروون الكفر ولا يعتقدونه، فإن أخبر أن هذا شيء رواه وهو يكذب به، فلا شيء عليه، وإن أخبر إنه يعتقد، استتيب منه، فإن تاب، فلا شيء عليه، وإن لم يتب، وجب عليه القتل.

قال: فعمل في أمره على فتوى أبي عمر، وعلى ما شاع وذاع من أمره، وظهر من إلحاده وكفره، واستغوائه الناس، وإفساده أديانهم، فاستؤذن المقتدر في قتله، وكان قد استغوى نصراً القشوري، من طريق الصلاح والدين، لا مما كان يدعو إليه، فخوف نصر السيدة أم المقتدر.

من قتله، وقال: لا آمن أن يلحق ابنك - يعني المقتدر - عقوبة هذا الشيخ الصالح، فمنعت المقتدر من قتله، فلم يقبل، وأمر حامداً بأن يقتله، فحم المقتدر يومه ذاك، فازداد نصر والسيدرة افتتاناً، وتشكك المقتدر فيه، فأنفذ إلى حامد من بادره بمنعه من قتله، فتأخر ذلك أياماً، إلى أن زال عن المقتدر ما كان يجد من العلة، فاستأذن حامد في قتله، فضعف الكلام فيه، فقال له حامد: يا أمير المؤمنين، إن بقي، قلب الشريعة، وارتد خلق على يده، وأدى ذلك إلى زوال سلطانك، فدعني أقتله، وإن أصابك شيء، فاقتلني، فأذن له في قتله، فعاد، فقتله من يومه، لئلا يتلون المقتدر.

فلما قتل، قال أصحابه: ما قتل هو، وإنما قتل برذون كان لفلان الكاتب، اتفق إنه نفق ذلك اليوم.

وهو يعود إلينا بعد مدة، فصارت هذه الجهالة، مقالاً لطائفة منهم.

طرائف من مخاريق الحلاج

وكانت أكثر مخاريق الحسين بن منصور الحلاج، هذا، التي يظهرها كالمعجزات، ويستغوي بها جهلة الناس، إظهار المآكل في غير أوانها، بحيل بقيمها، فمن لا تنكشف له، يتهوس بها، ومن كان فطناً، لم تخف عليه.

فمن طريف ذلك، ما أخبرني بها أبو بكر محمد بن إسحاق بن إبراهيم الشاهد الأهوازي، قال: أخبرني فلان المنجم، وأسماه، ووصفه بالحذق والفراهة، قال: بلغني خبر الحلاج، وما كان يفعله من إظهار تلك العجائب والمخرقات التي يدعي أنها معجزات، فقلت أمضي وانظر من أي جنس هي من المخاريق.

فجئته، كأني مسترشد في الدين، فخاطبني وخاطبته، ثم قال: تشه الساعة ما شئت، حتى أجيئك به.

وكنا في بعض بلدان الجبل التي لا تكون فيها الأنهار، فقلت له: أريد سمكاً طرياً في الحياة الساعة.

فقال: أفعل، اجلس مكانك.

فجلست، وقام ، وقال: أدخل البيت، وأدعو الله تعالى أن يبعث لك به.

قال: فدخل بيتاً حيالي وأغلق بابه، وأبطأ ساعة طويلة، ثمجاءني وقد خاض وحلاً إلى ركبته، وماء، ومعه سمكة تضطرب كبيرة.

فقلت له: ما هذا؟ فقال: دعوت الله تعالى، فأمرني أن أقصد البطائح فأجيئك بهذه، فمضيت إلى البطائح فخضت الأهوار، وهذا الطين منها، حتى أخذت هذه.

فعلمت أن هذه حيلة، فقلت له: تدعني أدخل البيت، فإن لم تنكشف لي حيلة فيه آمنت بك.

فقال: شأنك.

ودخلت البيت، وأغلقته على نفسي، فلم أجد فيه طريقاً ولا حيلة.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا