FluentPlex

Table-Talk

وقد يجمع الله الشتيتين

Original text Public domain

Read with the dictionary

فعملت على هذا، وجئت إلى الكتبيين، وقد قوي في نفسي أن أقصد واسطا، وكان لي بها أقارب، فأجعلهم ذريعة إلى التصرف مع عاملها.

فحين جئت إلى الكتبيين، إذا بزلال مقدم، وإذا خزانة كبيرة، وقماش فاخر كثير، ينقل إلى الخزانة والزلال، فسألت عن ملاح يحملني إلى واسط، فقال لي أحد ملاحي الزلال: نحن نحملك إلى واسط بدرهمين، ولكن هذا الزلال لرجل هاشمي من أهل البصرة، ولا يمكننا حملك معه على هذه الصورة، ولكن تلبس من ثياب الملاحين، وتجلس معنا، كأنك واحد منا.

فحين رأيت الزلال، وسمعت أنه لرجل هاشمي من أهل البصرة، طمعت أن يكون مشتري جاريتي، فأتفرج بسماعها إلى واسط، فدفعت الدرهمين إلى الملاح، وعدت فاشتريت جبة من جباب الملاحين، وبعت الثياب التي علي، وأضفت ثمنها إلى ما معي من النفقة، واشتريت خبزا وأدما، وجلست في الزلال.

فما كان إلا ساعة، حتى رأيت جاريتي بعينها، ومعها جاريتان تخدمانها، فسهل علي ما كان بي، وما أنا فيه، وقلت: أراها، وأسمع غناءها، من هاهنا إلى البصرة، واعتقدت أن أجعل قصدي البصرة، وطمعت في أن أداخل مولاها، وأصير أحد ندمائه، وقلت: لا تخليني هي من المواد، فإني واثق بها.

فلم يكن بأسرع من أن جاء الفتى الذي اشتراها، راكبا، ومعه عدة ركبان، فنزلوا في الزلال، وانحدرنا.

فلما صرنا بكلواذى، أخرج الطعام، فأكل هو، وأكل الباقون على سطح الزلال، وأطعموا الملاحين.

ثم أقبل على الجارية، فقال: إلى كم هذه المدافعة عن الغناء، ولزوم الحزن والبكاء ؟ ما أنت أول من فارق مولى كان له، فعلمت ما عندها من أمري.

ثم ضربت لها ستارة في جانب الزلال، واستدعي الذين في سطحه، وجلس معهم خارج الستارة، فسألت عنهم، فإذا هم إخوته وبنو عمه، فأخرجوا الصواني ففرقها عليهم، وفيها النبيذ، وما زالوا يرفقون بالجارية، إلى أن استدعت العود فأصلحته، واندفعت تغني من الثقيل الأول، بإطلاق الوتر الذي في مجرى الوسطى:

بان الخليط بمن عرفت فأدلجوا ... عمدا لقتلك ثم لم يتحرجوا

وغدت كأن على ترائب نحرها ... جمر الغضا في ساعة يتأجج

ثم غلبها البكاء، فقطعت الغناء، وتنغص على القوم سرورهم، ووقعت أنا مغشياً علي، فظن الملاحون أني قد صرعت، فأذن بعضهم في أذني، فأفقت بعد ساعة، وما زالوا يدارونها، ويرفقون بها، ويسألونها الغناء، إلى أن أصلحت العود، واندفعت تغني في الثقيل الثاني:

فوقفت أسأل بالذين تحملوا ... وكأن قلبي بالشفار يقطع

فدخلت دارهم أسائل عنهم ... والدار خالية المنازل بلقع

ثم شهقت، فكادت تتلف، وارتفع لها بكاء عظيم، وصعقت أنا، فتبرم بي الملاحون وقالوا: كيف حملنا هذا المجنون ؟ وقال بعضهم: إذا بلغتم بعض القرى فأخرجوه وأريحونا منه.

فجاءني أمر أعظم من كل ما أصابني، وجاءني في نفسي التصبر، والحيلة في أن أعلم الجارية بمكاني بالزلال، لتمنع من إخراجي، فأفقت.

وبلغنا إلى قرب المدائن، فقال صاحب الزلال: اصعدوا بنا إلى الشط، فطرحوا إلى الشط، وصعدت الجماعة، وكان المساء قريبا، وصعد أكثر الملاحين يتغوطون، وخلا الحديدي، وكان الجواري فيمن صعد إلى مستراح ضرب لهن.

فمشيت سارقا نفسي، حتى صرت خلف الستارة، فغيرت طريقة العود عما كانت عليه إلى طريقة أخرى، ورجعت إلى موضعي من الزلال.

وفرغ القوم من حاجتهم في الشط، ورجعوا والقمر منبسط، فقالوا لها: هو ذا ترين وقتنا، فتكلفي الغناء، ولا تنغصي علينا، فأخذت العود، فجسته، وشهقت، وقالت: قد والله، أصلح هذا العود مولاي، على طريقة من الضرب كان بها معجبا، وكان يضربها معي، و والله، إنه معنا في الزلال.

فقال لها مولاها: والله، يا هذه، لو كان معنا ما امتنعنا من عشرته، فلعله أن يخف بعض ما بك، فننتفع بغنائك، ولكن هذا بعيد.

فقالت: لا أدري ما تقولون، هو والله معنا.

فقال الرجل للملاحين: ويلكم هل حملتم معنا إنسانا ؟ فقالوا: لا.

فأشفقت أن ينقطع السؤال، فصحت: نعم، هو ذا أنا.

فقالت: كلام مولاي، والله.

وجاء بي الغلمان إلى الرجل، فلما رآني، قال: ويحك، ما هذا الذي أصابك، وصيرك في مثل هذا الحال ؟ فصدقته عن أمري، وبكيت، وعلا نحيب الجارية من خلف الستارة، وبكى هو وإخوته بكاء شديداً، رقة لنا.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account