FluentPlex

Table-Talk

وقد يجمع الله الشتيتين

Original text Public domain

Read with the dictionary

ثم قال: يا هذا ، والله ما وطئت هذه الجارية، ولا سمعت غناءها إلا اليوم، وأنا رجل موسع علي، ولله الحمد، وردت بغداد لسماع الغناء، وطلب أرزاقي من الخليفة، وقد بلغت من الأمرين، ما أردت، ولما عملت على الرجوع إلى وطني، أحببت أن أستبيع من غناء بغداد شيئاً، فاشتريت هذه الجارية، لأضمها إلى عدة مغنيات عندي بالبصرة، وإذ كنتما على هذه الحال، فأنا - والله - أغتنم المكرمة والثواب فيكما، وأشهد الله، أني إذا صرت إلى البصرة، أعتقتها، وزوجتك منها، وأجريت عليكما ما يكفيكما ويسعكما، على شريطة، إن أجبتني إليها.

قلت: ما هي ؟ قال: أن تحضرنا كلما أردنا الغناء، خلف ستارتنا، وتنصرف بانصرافك إلى دار أفردها لكما، وقماش أعطيكما إياه.

فقلت: يا سيدي، وكيف أبخل بهذا على من هو المعطي لي، وعلى من رد علي حياتي ؟ وأخذت يده أقبلها، فمنعني، ثم أدخل رأسه إلى الجارية، فقال: يرضيك هذا ؟ فأخذت تدعو له وتشكره.

فاستدعى غلاما، فقال: خذ بيد هذا الرجل، وغير ثيابه، وبخره، وقدم إليه ما يأكله، وجئنا به.

فأخذني الغلام، ففعل بي ذلك، وعدت، وتركت بين يدي صينية، واندفعت الجارية تغني بنشاط وسرور وانبساط، واستدعت النبيذ، فشربت وشربنا، وأخذت أقترح عليها الأصوات الجياد، فتضاعف سرور الرجل.

وما زلنا على ذلك، أياما، إلى أن بلغنا نهر معقل، ونحن سكارى، فشد الزلال في الشط، وأخذتني بوله، فصعدت إلى ضفة نهر معقل لأبول، فحملني السكر على النوم فيها، ودفع الزلال، وأنا لا أعلم، وأصبحوا فلم يجدوني، ودخلوا البصرة، ولم أنتبه إلا بحر الشمس، فجئت إلى الشط، فلم أر لهم عينا ولا أثرا.

وقد كنت أجللت الرجل أن أسأله بمن يعرف، وأين داره في البصرة، واحتشمت أن أسأل غلمانه عن ذلك، فبقيت على شاطئ نهر معقل، كأول يوم بدأت بي المحنة، وكأن ما كنت فيه منام.

واجتازت بي سميرية، فركبت بها، ودخلت البصرة، وما كنت دخلتها قط، فنزلت خاناً، وبقيت متحيراً، لا أدري ما أعمل، ولم يتوجه لي معاش.

إلى أن اجتاز بي يوماً إنسان عرفته من بغداد، فتبعته لأكشف له حالي، وأستميحه، فأنف من ذلك، ودخل الرجل إلى منزله، فعرفته، وجئت إلى بقال كان هناك، على باب الخان الذي نزلته، فأعطيته دانقاً، وأخذت منه ورقة دواة، وجلست أكتب رقعة إلى الرجل.

فاستحسن البقال خطي، ورأى رثاثة حالي، فسألني عن أمري، فأخبرته انني رجل ممتحن فقير، وقد تعذر علي التصرف، وما بقي معي شيء، ولم اشرح له أكثر من ذلك.

فقال: أتعمل معي في كل يوم على نصف درهم، وطعامك وكسوتك، وتضبط حساب دكاني ؟ قلت: نعم.

فقال: اصعد.

فمزقت الرقعة وصعدت فجلست معه، فدبرت أمره، وظبطت دخله وخرجه، وكان غلمانه يسرقونه، فأديت إليه الأمانة.

فلما كان بعد شهر، رأى الرجل دخله زائداًُ، وخرجه ناقصاً، فحمدني، وكنت معه إلى أن حال الحول، وقد بان له الصلاح في أمره، فدعاني إلى أن أتزوج بابنته، ويشاركني في الدكان، ففعلت.

ودخلت بزوجتي، ولزمت الدكان، والحال تقوى، إلا أني في خلال ذلك، منكسر النفس، ميت النشاط، ظاهر الحزن، وكان البقال ربما شرب، فيجذبني إلى مساعدته، فأمتنع، وأظهر أن سبب حزني على موتى لي.

واستمرت بي الحال على هذا سنين كثيرة، فلما كان ذات يوم، رأيت قوماً يجتازون بجونٍ ونبيذ، اجتيازاً متصلاً، فسألت عن ذلك، فقيل لي: اليوم يوم الشعانين، ويخرج أهل الظرف واللعب، بالنبيذ والطعام والقيان إلى الأبلة، فيرون النصارى، ويشربون، ويتفرجون.

فدعتني نفسي إلى التفرج، وقلت: لعلي أن أقف لأصحابي على خبر، فإن هذا من مظانهم.

فقلت لحمي: أريد أن أنظر هذا المنظر.

فقال: شأنك، وأصلح لي طعاماً وشارباً، وسلم إلي غلاماً وسفينة، فخرجت، وأكلت في السفينة، وبدأت أشرب حتى وصلت إلى الأبلة، وأبصرت الناس، وابتدأوا ينصرفون، وانصرفت.

فإذا أنا بالزلال بعينه، في أوساط الناس، سائراً في نهر الأبلة، فتأملته، فإذا بأصحابي على سطحه، ومعهم عدة مغنيات.

فحين رأيتهم لم أتمالك نفسي فرحاً، فصرت إليهم، فحين رأوني عرفوني، وكبروا، وأخذوني إليهم، وقالوا: ويحك أنت حي ؟ وعانقوني، وفرحوا بي، وسألوني عن قصتي، فأخبرتهما بها على أتم شرح.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account