حملت ديناً بعسكر المهدي، فركب المهدي يوماً، بين أبي عبيد الله، وعمر بن بزيع، وأنا وراءه في موكبه، على برذون قطوف.
فقال: ما أنسب بيت قالته العرب ؟ فقال أبو عبيد الله، قول امرىء القيس.
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قبلب مقتل
قال: هذا أعرابي قح.
فقال عمر بن بزيع: قول كثير يا أمير المؤمنين:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل
فقال: ما هذا بشيء، وماله يريد أن ينسى ذكرها، حتى تمثل له ؟ فقلت: عندي حاجتك يا أمير المؤمنين ! قال: الحق بي قلت: لا لحاق بي، ليس ذلك في دابتي.
قال: احملوه على دابة.
قلت: هذا أول الفتح، فحملت على دابة، فلحقته.
فقال: ما عندك ؟ قلت: قول الأحوص:
إذ قلت إني مشتف بلقائها ... فحم التلاقي بيننا زادني سقما
فقال: أحسنت، حاجتك ؟ قلت: علي دين.
فقال: اقضوا دينه.
فقضي ديني.
وقد يجمع الله الشتيتين
أخبرنا القاضي علي بن المحسن، حدثني أبي، حدثنا عبيد الله بن محمد الصروي، حدثني أبي، حدثني صديق لي ثقة: إنه كان ببغداد رجل من أولاد النعم، ورث مالاً جليلاً، وكان يعشق قينة، فأنفق عليها مالاً كثيراً، ثم اشتراها، وكانت تحبه كما يحبها، فلم يزل ينفق ماله عليها، إلى أن أفلس.
فقالت له الجارية: يا هذا، قد بقينا كما ترى، فلو طلبت معاشاً.
قال: وكان الفتى لشدة حبه الجارية، وإحضاره الأستاذات ليزيدوها في صنعتها، قد تعلم الضرب والغناء، فخرج صالح الضرب والحذق فيهما.
فشاور بعض معارفه، فقال: ما أعرف لك معاشاً أصلح من أن تغني للناس، وتحمل جاريتك إليهم، فتأخذ على هذا الكثير، ويطيب عيشك.
فأنف من ذلك، وعاد إليها، فأخبرها بما أشير به عليه، وأعلمها أن الموت أسهل عنده من هذا.
فصبرت معه على الشدة، مدة، ثم قالت له: قد رأيت لك رأياً.
قال: قولي.
قالت: تبيعني، فإنه يحصل لك من ثمني ما إن أردت أن تتجر به، أو تنفقه في ضيعة، عشت عيشاً صالحاً، وتخلصت من هذه الشدة، وأحصل أنا في نعمة، فإن مثلي لا يشتريها إلا ذو نعمة، فإن رأيت هذا، فافعل.
فحملها إلى السوق، فكان أول من اعترضها، فتى هاشمي من أهل البصرة، ظريف، قد ورد بغداد للعب والتمتع، فاستامها، فاشتراها بألف وخمسمائة دينار عيناً.
قال الرجل: فحين لفظت بالبيع، وأعطيت المال، ندمت، واندفعت في بكاء عظيم، وحصلت الجارية في أقبح من صورتي، وجهدت في الإقالة، فلم يكن إلى ذلك سبيل.
فأخذت الدنانير في الكيس، لا أدري أين أذهب، لأن بيتي موحش منها، ووقع علي من اللطم والبكاء ما هوسني.
فدخلت مسجدا، وأخذت أبكي، وأفكر فيما أعمل، فغلبتني عيني، فتركت الكيس تحت رأسي، فانتبهت فزعا، فإذا شاب قد أخذ الكيس، وهو يعدو، فقمت لأعدو وراءه، فإذا رجلي مشدودة بخيط قنب، في وتد مضروب في أرض المسجد، فما تخلصت من ذلك، حتى غاب الرجل عن عيني.
فبكيت، ولطمت، ونالني أمر أشد من الأمر الأول، وقلت: فارقت من أحب، لأستغني بثمنه عن الصدقه، فقد صرت الآن فقيراً ومفارقاً.
فجئت إلى دجلة، فلففت وجهي بإزار كان على رأسي، ولم أكن أحسن العوم، فرميت نفسي في الماء لأغرق.
فظن الحاضرون أن ذلك لغلط وقع علي، فطرح قوم نفوسهم خلفي، فأخرجوني، فسألوني عن أمري، فأخبرتهم، فمن بين راحم ومستهجل.
إلى أن خلا بي شيخ منهم، فأخذ يعظني، ويقول: ما هذا ؟ ذهب مالك، فكان ما ذا حتى تتلف نفسك ؟ أو ما علمت أن فاعل هذا في نار جهنم ؟ ولست أول من افتقر بعد غنى، فلا تفعل، وثق بالله تعالى، أين منزلك ؟ قم معي إليه.
فما فارقني حتى حملني إلى منزلي، وأدخلني إليه، وما زال يؤنسني، ويعظني، إلى أن رأى مني السكون، فشكرته، وانصرف.
فكدت أقتل نفسي، لشدة وحشتي للجارية، وأظلم منزلي في وجهي، وذكرت الدنيا والآخرة، فخرجت من بيتي هاربا إلى بعض أصدقائي القدماء، فأخبرته خبري، فبكى رقة لي، وأعطاني خمسين درهما.
وقال: اقبل رأيي، اخرج الساعة من بغداد، واجعل هذه نفقة، إلى حيث تجد قلبك مساعدك على قصده، وأنت من أولاد الكتاب، وخطك جيد، وأدبك صالح، فاقصد بعض العمال، واطرح نفسك عليه، فأقل ما في الأمر، أن يصرفك في شغل، أو يجعلك محررا بين يديه، وتعيش أنت معه، ولعل الله أن يصنع لك.