فمل مضت إلا سنيات، حتى هدم الناس أكثره، أولا فأولاً، ووسعوا به ما يجاروهم من دورهم، واستضافوا مكانه إليها، حتى إن ذلك اتسع، فجعل وزير المقتدر، على كل دار هذا حكمها، أجرة العرضة بحسب ذلك، وكان لها ارتفاع كثير.
ثم تبع ذلك بسنين، خراب المدينة، أولاً فأولاً، حتى بلغت إلى ما هي عليه.
بابك الخرمي
وجلده وصبره على العذاب: ومن عجيب أخبار قوة النفس: إن أخل بابك الخرمي، المازيار، قال له لما أدخلا على المعتصم: يا بابك إنك قد عملت ما لم يعمله أحد، فاصبر الآن صبراً لم يصبره أحد.
فقال له: سترى صبري.
فلما صار بحضرة المعتصم، أمر بقطع أيديهما وأرجلهما بحضرته.
فبدىء ببابك، فقطعت يمناه، فلما جرى دمها، مسح به وجهه كله، حتى لم يبق من حلية وجهه، وصورة سحنته، شيء.
فقال المعتصم: سلوه لم فعل هذا؟ فسئل، فقال: قولوا للخليفة، إنك أمرت بقطع أربعتي، وفي نفسك قتلي، فلا شك أنك لا تكوينها، وتدع دمي ينزف إلى أن تضرب عنقي، فخشيت أن يخرج الدم مني، فتبين في وجهي صفرة يقدر لأجلها من حضر، أني قد فزعت من الموت، وإنها لذلك، لا من خروج الدم، فغطيت وجهي بما مسحته عليه من الدم حتى لا تبين الصفرة.
فقال المعتصم: لولا أن أفعاله لا توجب العفو عنه، لكان حقيقاً بالاستبقاء لهذا الفضل، وأمر بإمضاء أمره فيه.
فقطعت أربعته، ثم ضرب عنقه، وجعل لجميع على بطنه، وصب عليه النفط، وضرب بالنار.
وفعل مثل ذلك بأخيه، فما كان فيهما من صاح وتأوه.
عافية الباقلاني وخالد الحذاء
يسيران حافيين على باب حديد محمي: وقد حكي: أن عافية الباقلاني، وخالد الحذاء، رئيسي أصحاب العصبية في زمانهما، بايعا على أن يحمى لهما باب حديد، ويمشيان عليه، ففعلا ذلك.
فلما حصلا فوقه، حل أحدهما مئزره، ثم ضرب يده إلى الآخر، وضبطه، وقال: انظرني أتوزرهما عطفيين، أي انتظر حتى أتزر.
قال: فما فارقه، حتى شد مئزره، وهما فوق الباب المحمي، ثم تمم مشيه، حتى خرج منه، وقد غلب بتلك الساعة، وإن لم يكن في الباب الحديد حيلة، أو عادة، مثلما يكون أسفل القدر، كالنار إذا دام الوقود عليها، فيأخذها الإنسان لساعته على راحته، لأن البخار يتصاعد، ثم يدعها قبل أن ينعكس البخار إلى أسفلها.
وقد شاهدت أنا، أبا الأغر بن أبي شهاب التيمي بالبصرة، فعل ذلك، وإلا، فلا أدري ما هو.
وقد أخبرني غير واحد، أن القطعة الحديد، إذا أدخلت الكور، وأحميت حتى تبيض بياضاً شديداً، فأخذها الإنسان، فلطعها مرتين، أو ثلاثة، قبل أن يرجع فيها الحمي، لم تضر لسانه.
وقد شاهدت أنا، أبا الحسن علي بن محمد بن أحمد التنوخي، وقد أدخل إلى فيه، غير مرة، شمعة مشعلة فيها رطل، وعض عليها، وكشر شفتيه لي، حتى تبينت اتقاد الشمعة في فيه، ساعة، ثم أخرجها غير مطفئة.
وسألته عن علة ذلك، فقال: يحتاج إلى حذق في سرعة الإدخال، حتى لا تحرق الشفتين، فإذا حصلت في داخل الفم، لم تضر، لأن ما يتصاعد من حمي الجوف، يغلب على حماها، فلا تضر.
كيف قتل الخليفة المعتضد
وزيره إسماعيل بن بلبل: ومن طريف عقوبات المعتضد، قتله إسماعيل بن بلبل، حدثني أبي، قال: أخبرني جماعة من أهل الحضرة، يعرفون ويحصلون: إن المعتضد أمر بإسماعيل بن بلبل، فاتخذ له تغار كبير، ومليء إسفيداجاً حياً، وبله، ثم جعل العجل رأس إسماعيل فيه، إلى آخر عنقه، وشيء من صدره، وأمسك حتى جمد الإسفيداج، فلم تزل روحه تخرج بالضراط، إلى أن مات.
الخليفة المعتضد يقتل آخر بسد جميع منافذه
وأخبرني أيضاً رحمه الله: إن المعتضد، أمر برجل فسد بالقطن أنفه، سداً شديداً، وفمه، وعيناه، وأذناه، ومنخراه، وذكره، وسوءته، ثم كتف وترك، فلم يزل ينتفخ، ويزيد، إلى أن طار قحف رأسه ومات.
قرطاس الرومي وكيف عاقبه المعتضد
حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب التنوخي، قال: قال أبي: كنت مع صاحبي الذي كنت أكتب له، بدر اللاني، في عسكر الموفق، وهو يقاتل صاحب الزنج.
فرمى زنجي من أصحاب الخائن، يقال له: قرطاس، الموفق، بسهم، فأصاب ثندوءته، وصاح: خذها مني وأنا قرطاس، فصارت مثلاً للرماة إلى الآن.
فحمل الموفق صريعاً في حد التلف، ونزع السهم وكان مقطناً، فبقي الزج مكانه، وجمع، وانتفخ، وأمد، وأشرف على الموت.