FluentPlex

Table-Talk

أبغي الشفا بك من سقمي ومن دائي

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

إلى أن أتاح، القدر المحتوم، والقضاء المعلوم، أن سافر عضد الدولة من العراق، إلى همذان، فتبعه أبو محمد الخرنبازي، يطلب خدمة، وكان ذا دراية، وفضل، وعقل، ورزانة، ونبل.

فلما رآه أبو القاسم ، قد خرج في جملة الجماعة، خشي من تقدمه عند عضد الدولة، فيفضح مستورة، وتقبح أموره، فحسن لعضد الدولة رده من الطريق، وإبعاده عن الصحبة، وان يجري عليه شيء من الرزق بالبصرة، ويقيم بها.

قال أبو علي القاضي: كنت بين يدي عضد الدولة، وق قال لأبي بكر بن شاهويه - وهو من أصحاب أبي القاسم عبد العزيز - تمضي إلى أبي محمد الخرنبازي، وتقول له تمضي إلى البصرة، ونحن نجري لك معيشة ترتزق منها، فقد طال تبعك لنا، وتعبك معنا، وقد تبرمنا منك، وليس عبد العزيز، قد اصطحب جماعة كثيرة، في بعضهم غنية عن أمثال، فانصرف عنا، واكتف بما أرتبه لك، إن شاء الله تعالى.

ثم إن عضد الدولة، سير من خاصته شخصاً مع أبي بكر، ليشهد ما يقوله، وليسمع ما يجاوبه به أبو محمد، بحيث لا يكتم أبو بكر شيئاً من الجواب، لكونه من أصحاب أبي القاسم.

فلما حضرا عند أبي محمد ، قال له أبو بكر، صورة ما قاله عضد الدولة جميعه.

فقال أبو محمد، لما سمع ذلك: الأمر للملك، ولا خلاف له، والسمع والطاعة لتقدمه، ولعمري إن الناس بجدودهم ينالون، وبحظوظهم يستديمون، ولو أنني تقدمت عند الملك، ونفقت عليه، ما كان عجباً، فقد نال منه، وتقدم عنده، من أنا أرجح منه، ولكن المقادير غالبة، وليس للإنسانمتقدم عنها ولا متأخر، وقد قيل: من غالب الأقدار غلب، ولكن، أيها الشيخ، لي حاجة أحب أن تبلغها الملك عني، وهي كلمة فيها نصيحة، وشفاء لما في الصدور.

فقال أبو بكر، قل: فإني أبلغها الملك.

فقال: تقول له: أنا صائر إلى ما أمرت، ومتوجه إلى البصرة، لامتثال ما رسمت، ولكن بعد أن تقضي وطراً في نفسي، وفيه شهرة لعظمتك، وتنبيه على أنك لا تنخدع في ملكك، ولا يلتبس لديك محق بمبطل، وعاقل بجاهل، ومسيء بمحسن، ويقظان بغافل، وجواد بباخل، وهو أن يتقدم، بأن يقام عبد العزيز المكنى بأبي القاسم، بين اثنين على رؤوس الأشهاد، وينتقم منه انتقاماً بالغاً، ويقال له: إذا لم تبذل جاهك لمتلهف، ولم يكن عندك بر لضعيف، ولا فرج لمكروب، ولا عطاء لسائل، ولا جائزة لشاعر، ولا مرعى لمنتجع، ولا مأوى لضيف، ولا ذب عن عرض مخدومك، ولا استجلاب ثمار الألسنة بالأدعية والمحامد لدولة أوجدتك، ولا لك من العقل ما تميز به بين ما يكسب حمداً أو ذماً، فلم ألزمت نفسك أن يخاطبوك بسيدنا، وتمد يدك ليقبلها الداخلون، ويقوم لك عظماء المملكة، عند طلوعك عليهم؟ ثم إن أبا محمد قام وركب، وعاد.

قال أبو بكر بن شاهويه: فعدت، وقد سبقني الذي كان معي مشرفاً، وذكر ذلك للملك عضد الدولة، فلما حضرت عنده، وأبو القاسم بين يديه، سكت.

فاستحييت من أبي القاسم، أن أذكره، فقلت: سمعه الملك من المشرف الذي أنفذه معي.

قال: قل، فأنت كنت الرسول، فاذكر الحديث على صورته كله، فوالله إن تركت منه حرفاً، لم تلق خيراً.

فما أمكنني إلا أنني سردت كلام أبي محمد، كما قاله، ولم أترك منه شيئاً، وأبو القاسم يتقدد في إهابه، ويتمزق في جلده، ويتغير وجهه، ويتلون ألواناً، ند كل كلمة منه.

فأقبل عليه عضد الدولة، فقال: كيف ترى يا عبد العزيز؟ لا جزاك الله خيراً، الآن علمت أنك لاتعتمد حالة ترضي الله تعالى، ولا تتبنى مكرمة، ولا تحفظ مروءة، ولا تحرس أمانة، ولا يخرج فكرك عنك، ولا صمتك، إلا في مال تجتذبه، وإقطاع لنفسك تثمره، وتجعلني باباً من أبواب معاشك، وجهة من جهات أرباحك، تبعد من ينفعني، وتقرب من ينفعك، فخدمتك معروفة، وسيرتك معلومة، وكنت أسمع في جرك النار إلى قرصك، وشرهك في جميع أحوالك، وأذاك لمن يقصد أبوابنا، ولكن لكل أجل كتاب، ثم أمر به فأخذ.

فظهرت بسوء فعله، قلة عقله، وبقبح قصده، ضعف رأيه.

أبغي الشفا بك من سقمي ومن دائي

أنبأنا محمد بن عبد الباقي، قال: أنبأنا علي بن المحسن التنوخي، قال: أنبأنا عمر بن حيويه، قال: أنبأنا أبو محمد جعفر بن الفضل العسكري قال: أنبأنا محبوب بن صالح، عن أبيه:

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا