أن رجلاً من العرب، رأى امرأة، فوقعت بقلبه، فكاتم بذلك دهراً، ثم أن الأمر تفاقم، وتمكنت منه الصبابة، وسحقه الغرام، فبعث إليها يسألها نفسها، ويخبرها بما هو عليه من حبها، فكتبت إليه: اتق الله أيها الرجل وارع على نفسك، واستحي من هذه الهمة التي قد تعلقت بها، فإن ذلك أولى بذوي العقول، فلما وافاه كتابها، أخذته وسوسة، واستولى عليه الشيطان، وجعل الأمر يتزايد، حتى زال عقله، وكان لا يعقل إلا ما كان من حديثها أو ذكرها.
وكان يبكر في كل يوم، فيقف على باب الدار التي تنزلها المرأة، فيقول:
يا دار حييتِ إن كانت تحيّتنا ... تغني ولو كان في التسليمِ إشفائي
لا زلت أبكيك ما قامت بنا قدم ... أبغي الشفا بك من سقمي ومن دائي
ثم مضى شبيهاً بالهائم على وجهه، فلم يزل على ذلك حتى مات.
أشاع الدمع ما كنت أكتم
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي، فيما أجاز لنا، قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الخزاز، قراءة عليه، قال: أخبرنا محمد بن خلف، إجازة، قال: حدثنا قاسم بن الحسن، قال: حدثنا العمري، قال: أخبرنا الهيثم بن عدي: إن مرة بن مصعب القيسي كان له أخ يقال له فهر، وكانا ينزلان الحيرة وان فهراً ارتحل بأهله وولده، فنزل بأرض السراة، وأقام مرة، بالحيرة، وكانت عند مرة، امرأة من بكر بن وائل، فلبثت معه زماناً لم يرزق منها ولداً، حتى يئس من ذلك، ثم أتي في منامه، ذات ليلة، فقيل له: إنك إن باشرت زوجتك، في ليلتك هذه، رأيت سروراً وغبطة، فانتبه، فباشرها، فحملت، فلم يزل مسروراً إلى أن تمت أيامها، فولدت له غلاماً، فسماه إياساً، لأنه كان آيساً، فنشأ الغلام منشأً حسناً.
فلما ترعرع، ضمه أبوه إليه، وأشركه في أمره، وكان إذا سافر أخرجه معه، لقلة صبره عنه.
فقال له أبوه يوماً: يا بني، قد كبرت سني، وكنت أرجوك لمثل هذا اليوم، ولي إلى عمك حاجة، فأحب أن تشخص فيها.
فقال له إياس: نعم يا أبة، ونعم عين وكرامة، فإذا شئت، أخبرني بحاجتك، فأعلمه الحاجة، فخرج متوجهاً حتى أتى عمه، فعظم سروره به، وسأله عن سبب قدومه، وما الحاجة، فأخبره بها، ووعده بقضائها، فأقام عند عمه أياماً ينتظر فيها قضاء الحاجة.
وكان لعمه بنت يقال لها صفوة، ذات جمال وعقل، فبينا هو جالس بفناء دارهم، إذ بدت له صفوة، زائرة بعض أخواتها، وهي تهادى بين جوار لها، فنظر لها إياس نظرة، أورثت قلبه حسرة، وظل نهاره ساهياً، وبات وقد اعتكرت عليه الأحزان، ينتظر الصباح، يرجو أن يكون فيه النجاح.
فلما بدا له الصباح، خرج في طلبها ينتظر رجوعها، فلم يلبث أن بدت له، فلما نظرت إليه تنكرت، ثم مضت فأسرعت، فمر يسعى خلفها، يأمل منها نظرة، فلم يصل إليها، وفاتته، فانصرف إلى منزله، وقد تضاعف عليه الحزن، واشتد الوجد.
فلبث أياماً، وهو على حاله، إلى أن أعقبه ذلك مرضاً أضناه، وأنحل جسمه، وظل صريعاً على الفراش.
فلما طال به سقمه، وتخوف على نفسه، بعث إلى عمه لينظر إليه، ويوصيه بما يريد، فلما رآه عمه، ونظر إلى ما به، سبقته العبرة إشفاقاً عليه.
فقال له إياس: كفّ، جعلتك فداك يا عمّ، فقد أقرحت قلبي، فكفّ عن بعض بكائه، فشكا إليه إياس ما جد من العلّة، فقال له: عزّ والله، عليّ يا ابن أخي، ولن أدع حيلة في طلب الشفاء لك.
فانصرف إلى منزله، وأرسل إلى مولاة له، كانت ذات عقل، فأوصاها به، وبالتعاهد له، والقيام عليه.
فلما دخلت المولاة عليه، فتأمّلته، علمت انّ الذي به عشق، فقعدت عند رأسه، فأجرت ذكر صفوة، لتستقين ما عنده، فلما سمع ذكرها زفر زفرة، فقالت المرأة: والله، ما زفر إلا من هوى داخله، ولا أظنه إلا عاشقاً.
فأقبلت عليه كالممازحة له، فقالت له: حتى متى تبلي جسمك، فوالله ما أظن الذي بك إلا هوىً.
فقال لها إياس: يا أمه، لقد ظننت بي ظن سوء، فكفّي عن مزاحك.
فقالت: إنّك، والله، لن تبديه إلى أحد هو أكتم له في قلبي، فلم تزل تعطيه المواثيق، وتقسم عليه، إلى أن قالت له: بحق صفوة.
فقال لها: لقد أقسمت علي بعظيم لو سألتني به روحي لدفعتها إليك، ثم قال: والله يا أمّه، ما عظم دائي، إلاّ بالاسم الذي أقسمت عليّ بحقّه، فالّله، الّله، في كتمانه، وطلب وجه الحيلة فيه.