قال: فهل وجدت خيانة أو خللاً؟ قال: لا والله.
قال: فإني لم أرد العمل معك، وإنما سمعتك تقول لولدك في الوقت الفلاني، إنك لم تر في المسلمين أميناً، فأردت أن أنقض عليك قولك، وأعلمك أنه إذا كان مثلي - وأنا أحد فقرائهم - على هذه الصورة، فغيري من المسلمين على مثلها، وما هو أكثر منها.
ثم فارقه، وأقام على دق السعد.
طلسم في صعيد مصر يطرد الفار
قال أبو علي التنوخي: حدثني من أثق به، وهو أبو عبد الله الحسين ابن عثمان الخرقي الحنبلي، قال: توجهت إلى الصعيد في سنة 359 فرأيت في باب ضيعة لأبي بكر علي ابن صالح الروذباري تعرف بابسوج، شارعة على النيل بين القيس والبهنسا، صورة فأر في حجر، والناس يجيئون بطين من طين فيطبعون فيه تلك الصورة، ويحملونه إلى بيوتهم.
فسألت عن ذلك، فقيل لي: ظهر عن قريب، من سنيات، هذا الطلسم، وذاك انه كان مركب فيه شعير تحت هذه البيعة، فقصد صبي من المركب ليلعب، فأخذ من هذا الطين، وطبع الفأرة، ونزل بالطين المطبوع إلى المركب، فلما حصل فيه، تبادر فأر المركب يظهرون ويرمون أنفسهم في الماء.
فعجب الناس من ذلك، وجربوه في البيوت، فكان أي طابع حصل في داره، لم تبقى فيها فأرة إلا خرجت، فتقتل، أو تفلتت إلى موضع لا صورة فيه.
فكثر الناس أخذ الصورة في الطين، وتركها في منازلهم، حتى لم تبقى فأرة في الطريق والشوارع.
وشاع ذلك، وذاع في البلدان.
حجر عجيب الخواص
في ضيعة عين جاره قال أبو علي التنوخي: حدثني الحسين بن نبت، غلام الببغاء، وكتب لي خطه، وشهد له الببغاء بصحة الحكاية، قال: كانت من أعمال حلب، ضيعة تعرف بعين جاره، بينها وبين الهونة، أو قال: الحونة، أو الجومة، حجر قائم كالتخم بين الضيعتين.
وربما وقع بين أهل الضيعتين شر، فيكيدهم أهل الهونة، بأن يلقوا ذلك الحجر القائم، فكما يقع الحجر، يخرج أهل الضيعتين من النساء ظاهرات متبرجات، لا يعقلن على أنفسهن، طلباً للجماع، ولا يستحيين من الحال، لما عليهن من غلبة الشهوة.
إلى أن يتبادر الرجال إلى الحجر، فيعيدونه إلى حالته الأولى قائماً، منتصباً، فتتراجع النساء إلى بيوتهن، وقد عاد إليهن التمييز باستقباح ما كن وهذه الضيعة كان سيف الدولة الحمداني أقطعها أبا علي أحمد بن نصر البازيار، وكان أبو علي يتحدث بذلك، ويسمعه الناس منه.
وقد ذكر هذه الحكاية، بخطه في الأصل.
مشهد النذور بظاهر سور بغداد
حدثني القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، قال: حدثني أبي، قال: كنت جالساُ بحضرة عضد الدولة، ونحن مخيمون بالقرب من مصلى الأعياد، في الجانب الشرقي من مدينة السلام، نريد الخروج معه إلى همذان، في أول يوم نزل العسكر، فوقع طرفه على البناء الذي علي قبر النذور.
فقال لي: ما هذا البناء؟ فقلت: هذا مشهد النذور، ولم أقل قبر، لعلمي بتطيره من ذكر هذا.
فاستحسن اللفظ، وقال: قد علمت أنه قبر النذور، وإنما أردت شرح أمره.
فقلت: هذا يقال انه قبر عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأن بعض الخلفاء أراد قتله خفية، فجعل له هناك زبية، وسير عليها وهو لا يعلم، فوقع فيهان وهيل عليه التراب حياً، وإنما شهر بقبر النذور، لأنه ما يكاد ينذر له نذر إلا صح، وبلغ الناذر ما يريد، ولزمه الوفاء بالنذر، وأنا أحد من نذر له مراراً لا أحصيها كثرة، نذوراً على أمور متعددة، فبلغتها، ولزمني النذر، فوفيت به.
فلم يقبل هذا القول، وتكلم بما دل على أن هذا إنما يقع منه اليسير اتفاقاً، فيتسوق العوام بأضعافه، ويسيرون الأحاديث الباطلة فيه، فامسكت.
فلما كان بعد أيام يسيرة، ونحن معسكرون في موضعنا، استدعاني، في غدوة يوم، وقال: اركب معي إلى مشهد النذور.
فركبت، وركب في نفر من حاشيته، إلى أن جئت به إلى الموضع، فدخله، وزار القبر، وصلى عنده ركعتين، سجد بعدهما سجدة طويلة، أطال فيها المناجاة بما لم يسمعه أحد، ثم ركبنا معه إلى خيمته، ثم رحل ورحلنا معه نريد همذان، وبلغناها، وأقمنا فيها معه شهوراً.
فلما كان بعد ذلك استدعاني وقال لي: ألست تذكر ما حدثتني به في أمر مشهد النذور ببغداد؟ فقلت: بلى.