وكان بعدها إذا حضر من يحتشمه، أمر بعمل مثل ما يقدم إليه، والصدقة به، ولم يأمر برفع ذلك من حضرته، إلا إذا بشمه الحاضرون.
أبو القاسم بن الحواري
وعظيم بره بأمه: حدثني أبو الحسين بن عياش، قال: كان يألف أبا القاسم بن الحواري، رجل من أهل عكبرا يخطب بأهلها، وكان ماجناً، خفيف الروح، مليح الحديث والكلام، طيب النشوار والأدب، يكنى بأبي عصمة، وكان يؤاكله دائماً، ويختص به، وينفق عليه.
وكان أبو القاسم، شديد البر بأمه، فكان يتنغص لها بالماء فضلاً عما سواه، ولا يتهنأ بأكل شيء، إلا إذا أكلت منه، وكان من عادته إذا استطاب لوناً، أن ينفذه من مائدته إليها.
فأكل عنده أبو عصمة هذا، أول يوم، وهو لا يعرف رسمه، فقدم لوزينج طيب، فما شبع منه أبو عصمة حتى أمر به أبو القاسم فرفع إلى والدته.
وقدمت مضيرة جيدة، بفراخ مسمنة، ودجاج هندي، ودهن الجوز والخردل، فما أكلوا منها حسباً حتى أمر ابن الحواري، برفعها إلى والدته، فأخذ أبو عصمة رغيفاً، وقام يمشي مع الغضارة.
فقال له ابن الحواري: إلى أين يا أبا عصمة؟ قال: إلى الوالدة يا سيدي، آكل معها هذه المضيرة، فإن هذه المائدة خراب، والخصب عندها.
فضحك ابن الحواري، وتقدم برد اللون إليه.
أبو عصمة الخطيب وأهل عكبرا
قال، وكان عصمة هذا لي صديقاً، وبي آنساً، فقال لي يوماً: إن أهل عكبرا سفل، وأنا مبتلى بالخطبة بهم، فإذا صعدت المنبر، أومأت إليهم بيدي، إيماء السلام، فيؤذن المؤذن، ويحبسون أني قد سلمت عليهم، وإنما أقول: لحاكم كلكم في استي.
أصل نعمة سليمان الثلاج في بغداد
حدثنا أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي الكاتب، قال: حدثني ابن سليمان الثلاج قال: قال لي أبي: كان أصل نعمتي من ثمن خمسة أرطال ثلجاً، وذلك أنه عز الثلج في بعض السنين ببغداد، وقل، وكان عندي منه شيء بعته، وبقي منه خمسة أرطال.
فاعتلت شاجي جارية عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وهو إذ ذاك أمير بغداد، فطلبت منه ثلجاً، فلم يوجد إلا عندي.
فجاؤوني، فقلت: ما عندي إلا رطل واحد، ولا أبيعه إلا بخمسة آلاف درهم، وكنت قد عرفت الصورة.
فلم يجسر الوكيل على شراء ذلك، ورجع يستأذن عبيد الله، وكانت شاجي بمنزلة روحه، وهي تتضور على الثلج، وتلح في طلبه.
فشتمه عبيد الله، وقال: امض واشتره بأي ثمن كان ولا تراجعني.
فجاءني، فقال: خذ خمسة آلاف درهم، وهات الرطل.
فقلت: لا أبيعك إياه إلا بعشرة آلاف درهم، فلم يجسر على الرجوع للاستئذان، فأعطاني عشرة آلاف درهم، وأخذ الرطل.
وشقت العليلة منه، فقويت نفسها، وقالت: أريد رطلاً آخر.
فجاءني الوكيل بعشرة آلاف درهم، وقال: هات رطلاً آخر، إن كان عندك، فبعت ذلك عليه.
فلما شربته العليلة، تماثلت، وجلست، وطلبت زيادة، فجاؤوني يلتمسون ذلك.
فقلت: ما بقي عندي إلا رطل واحد، ولا أبيعه إلا بزيادة، فداراني، وأعطاني عشرة آلاف درهم، وأخذ رطلاً.
وداخلتني رغبة في أن أشرب أنا شيئاً من الثلج، لأقول إني شربت ثلجاً سعر الرطل منه عشرة آلاف درهم.
قال: فشربت منه رطلاً.
وجاءني الوكيل قرب السحر، وقال: ألله، ألله، قد والله صلحت العليلة، وإن شربت شربة أخرى برأت، فإن كان عندك منه شيء، فاحتكم في سعره.
فقلت له: والله، ما عندي إلا رطل واحد، ولا أبيعه إلا بثلثين ألفاً.
فقال: خذ.
فاستحييت من الله أن أبيع رطل ثلج بثلثين ألفاً، فقلت: هات عشرين ألفاً، واعلم أنك إن جئتني بعدها بملء الأرض ذهباً، لم نجد عندي شيئاً، فقد فني.
فأعطاني العشرين ألف، وأخذ الرطل.
فلما شربته شاجي، أفاقت، واستدعت الطعام، فأكلت، وتصدق عبيد الله بمال.
ودعاني من غد، فقال: أنت - بعد الله - رددت حياتي بحياة جاريتي، فاحتكم.
فقلت: أنا خادم الأمير وعبده.
قال: فاستخدمني في ثلجه وشرابه، وكثير من أمر داره.
فكانت تلك الدراهم التي جاءتني جملة، أصل نعمتي، وقوبت بما انضاف إليها من الكسب مع عبيد الله، طول أيامي معه.
بغداد في أيام المقتدر