قال: يدخل، ثم أومأ إلي بأن أتقدم إليه، فتقدمت ومد يده ليسارني، فقبلتها.
فمد يدي، وقال: ليس بيننا سر، وإنما أردت أن يدخل أبو السائب، فيراك تسارني في مثل هذا المجلس الحافل، فلا يشك أنك معي في أمر من أمور الدولة، فيرهبك، ويحشمك، ويتوفر عليك، ويكرمك، فإنه لا يجيء إلا بالرهبة، وهو يبغضك بزيادة عداوة كانت لأبيك، ولا يشتهي أن يكون له خلف مثلك.
وأخذ يواصل معي في مثل هذا الفن من الحديث، إلى أن دخل أبو السائب.
فلما رآه في سرار، وقف، ولم يحب أن يجلس إلا بعد مشاهدة الوزير له، تقرباً إليه، وتلطفاً في استمالة قلبه، فإنه كان إذ ذاك فاسد الرأي فيه.
فقال الحاجب لأبي السائب: يجلس قاضي القضاة.
وسمعه الوزير، فرفع رأسه، وقال له: اجلس يا سيدي.
وعاد إلى سراري، وقال لي: هذه أشد من تلك، فامض إليه في غد، فسترى ما يعاملك به.
وقطع السرار، وقال لي ظاهراً: قم فامض فيما أنفذتك فيه، وعد إلي الساعة بما تعمله.
فوهم أبو السائب بذاك أننا في مهم.
فقمت، ومضيت إلى بعض الحجر، وجلست إلى أن عرفت انصراف أبي السائب، ثم عدت إليه، وقد قام عن ذلك المجلس.
وجئت من غد إلى أبي السائب، فكاد يحملني على رأسه، وأخذ يجاذبني بضروب من المحادثة والمباسطة.
وكان على ذلك دهراً طويلاً.
التنوخي المؤلف في مجلس أنس عضد الدولة
حدث أبو علي، قال: كنت جالساً بحضرة عضد الدولة في مجلس أنسه، بنهاوند، فغناه محمد بن كاله الطنبوري، شيخ كان يخدمه في جملة المغنين، باق إلى الآن:
ذد بماء المزن والعنب ... طارقات الهم والكرب
قهوة لو أنها نطقت ... ذكرت قحطان في العرب
وهي تكسو كف شاربها ... دستبانات من الذهب
فاستحسن الشعر والصنعة، وسأل عنها، فقال له ابن كاله: هذا شعر غنت به مولانا، سلمة بنت حسينة، فاستعاده منها استحساناً له، فسرقته منها.
قال التنوخي: فقلت له: أما الشعر، فللخباز البلدي، وأظن أبا الحسن بن طرخان قال لي: إن الصنعة فيه لأبيه، والمعنى حسن، ولكنه مسروق.
فقال: من أين؟ فقلت: أما البيت الثاني، فمن قول أبي نؤاس:
عتقت حتى لو اتصلت ... بلسان صادق وفم
لاحتبت في القوم ماثلة ... ثم قصت قصة الأمم
ووصفها بالعتق والقدم، كثير في القوم، وأبلغ من هذا البيت، ولكن التشبيه في البيت الثالث، هو الحسن، وقد سرقه مما أنشدناه أبو سهل بن زياد القطان، قال أنشدنا يعقوب بن السكيت، ولم يسم قائلاً:
أقري الهموم إذا ضاقت معتقة ... حمراء يحدث فيها الماء تفويفا
تكسو أصابع ساقيها إذا مزجت ... من الشعاع الذي فيها تطاريفا
وقد كشف - أطال الله بقاء مولاي - هذا المعنى من قال:
كأن المدير لها باليمين ... إذا قام للسقي أو باليسار
تدرع ثوباً من الياسمين ... له فرد كم من الجلنار
وكان أبو علي، أحمد بن علي المدائني، المعروف بالهائم الراوية، قائماً في المجلس، فقال: قد كشف معنى الأبيات الفائية، السري الرفاء، حيث يقول في صفة الدنان:
ومستسلمات هززنا لها ... مداري القيان لسفك الدماء
وقد نظم الصبح أجسامها ... مع الجدر نظم صفوف اللقاء
تمد إليها أكف الرجال ... فترجع مثل أكف النساء
وكشف المعنى الثاني في الأبيات بقوله:
إزدد من الراح وزد ... فالغي في الراح رشد
يديرها ذا غنة ... أغيد يثنيه الغيد
مد إليها يده ... فالتهبت إلى العضد
قال القاضي التنوخي: فقلت له: فأين أنت عما هو خير من هذا؟ وهو قول ابن المعتز:
تحسب الظبي إذا طاف بها ... قبل أن يسقيكها مختضبا
قال الهائم: فقد قال بكارة الرسعني:
وبكر شربناها على الورد بكرة ... فكانت لنا ورداً إلى ضحوة الغد
إذا قام مبيض اللباس يديرها ... توهمته يسعى بكم مورد
وقول أبي النضر النحوي:
فلو رآني إذا اتكأت وقد ... مددت كفي للهو والطرب
لخالني لابساً مشهرة ... من لازورد يشف عن ذهب