قال: فلما سمع ذلك، فرق الغلمان، ومن كان في مجلسه من أصحابه، حتى خلا، وقال: ليس يخفى علي التغير في عين الوزير، وإن كان لم ينقصني من رتبة ولا عمل، وبالله أحلف، لقد لقيت حامد بن العباس، بالمدائن، لما جيء به للوزارة، فقام لي في حراقته قائماً، وقال لي: هذا الأمر لك ولولدك، وسيبين لك ما أفعله من زيادتك في الأعمال والأرزاق، ثم لقيته يوم الخلع عليه، بعد لبسه إياها، فتطاول، فلما فعلت به، في أمر الوزير أيده الله، ما فعلته، بحضرة أمير المؤمنين، عاداني، وصار لا يعير لي طرفه، وتعرضت منه لكل بلية، فكنت خائفاً منه، حتى أراح الله منه، بتفرد علي بن عيسى بالأمور، واشتغاله هو بالضمان، وسقوط حاجتنا إلى لقائه، وما لي إلى هذا الوزير - أيده الله - ذنب يوجب انقباضه، إلا أنني أديت الوديعة التي كانت له عندي، وبالله، لقد رويت عن ذكرها جهدي، ودافعت بما يدافع به مثلي، ممن لا يمكنه الكذب، فلما جاء ابن حماد، كاتب موسى بن خلف، فأقر بها، وأحضر الدليل بإحضار المرأة التي حملتها، لم أجد بداً من أدائها، وقد فعل مثلي أبو عمر، في الوديعة التي كانت له عنده، إلا أن أبا عمر، فعل ما قد علمته من حيلة، بشراء فص بنصف درهم، نقش عليه علي بن محمد، ووضع مالاً من عنده، في أكياس ختمها به، وقال للوزير: وديعتك عندي بحالها، وإنما غرمت ما أديت عنك من مالي، وأراد التقرب إليه، ففعل هذا، وأنت تعلم فرق ما بيني وبين أبي عمر، في كثرة المال، فأريد أن تسل سخيمته، وتستصلح لي نيته، وتذكره بحقي القديم عليه، ومقامي له بين يدي الخليفة إذ ذاك، وأن مثل ذلك، لا ينسى بتجن لا يلزم.
فقال له أبي: أنا أفعل ولا أقصر، وقد اختلفت الأخبار علينا، فيما جرى ذلك اليوم، فإن رأى القاضي - أعزه الله - أن يشرحه لي، فعل.
فقال أبو جعفر: كنت أنا، وأبو عمر، وعلي بن عيسى، وحامد بن العباس بحضرة الخليفة، مع جماعة من خواصه، وكلهم منحرف عن الوزير - أيده الله - ومحب لمكروهه، إذ أحضر حامد، الرجل الجندي، الذي ادعى أنه وجده راجعاً من أردبيل، إلى قزوين، ثم إلى أصبهان، ثم إلى البصرة، وأنه أقر له عفواً، أنه رسول ابن الفرات، إلى ابن أبي الساج، في عقد الإمامة لرجل من الطالبيين المقيمين بطبرستان، ليقويه ابن أبي الساج، ويسيره إلى بغداد، ويعاونه ابن الفرات بها، وأنه مخبر أنه تردد في ذلك دفعات، وخاطبه بحضرة الخليفة في أن يصدق عما عنده من ذلك.
فذكر الرجل، مثل ما أخبر عنه حامد، ووصف أن موسى بن خلف، كان يتخبر لابن الفرات، لأنه من الدعاة الذين يدعون إلى الطالبيين، وأنه كان يمضي في كل وقت من الأوقات إلى ابن أبي الساج في شيء من هذا. فلما استتم الخليفة سماع هذا الكلام، اغتاظ غيظاً شديداً، وأقبل على أبي عمر، وقال: ما عندك فيما فعله هذا؟ فقال: لئن كان فعل ذلك، لقد أتى أمراً فظيعاً، وأقدم على أمر يضر بالمسلمين جميعاً، واستحق كذا، كلمة عظيمة لا أحفظها.
قال أبو جعفر: وتبينت في علي بن عيسى كراهية لما جرى، والإنكار للدعوى، والطنز بما قيل فيها، فقويت نفسي بذلك.
وأقبل الخليفة علي، فقال: ما عندك يا أحمد، فيمن فعل هذا؟ فقلت: إن رأى أمير المؤمنين، أن يعفيني.
فقال: ولم؟.
فقلت: لأن الجواب ربما أغضبت به من أنا محتاج إلى رضاه، أو خالف ما يوافقه من ذلك ويهواه، ويضر بي.
فقال: لا بد أن تجيب.
فقلت: الجواب، ما قال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " ، ومثل هذا يا أمير المؤمنين لا يقبل فيه خبر واحد، والتمييز يمنع من قبول مثل هذا على ابن الفرات، أتراه يظن به أنه رضي أن يكون تابعاً لابن أبي الساج، ولعله ما كان يرضى، وهو وزير، أن يستحجبه؟ ثم أقبلت على الرجل، فقلت له: صف لي أردبيل، عليها سور أم لا؟ فإنك على ما تدعيه من دخولها، لا بد أن تكون عارفاً بها، واذكر لنا صفة باب دار الإمامة، هل هو حديد أم خشب؟ فتلجلج.
فقلت له: كاتب ابن أبي الساج، ابن محمود، ما اسمه؟ وما كنيته؟ فلم يعرف ذلك.
فقلت له: فأين الكتب التي معك؟ فقال: لما أحسست بأني قد وقعت في أيديهم، رميت بها خوفاً من أن توجد معي، فأعاقب.