كان أبو جعفر من جلة الناس وعظمائهم وعلمائهم، وتقلد قضاء الأنبار وهيت والرحبة وسقي الفرات في أيام المعتمد، بعد كتبة الموفق أبي أحمد سنة 270 ه، وأقام يليها إلى سنة 316 ه.
وأضيف له إليها الأهواز وكورها السبع، وخلفه عليها جدي أبو القاسم علي بن محمد التنوخي في سنة 311 ه.
وقلد ماه الكوفة وماه البصرة، مضافات إلى ما تقدم ذكره.
ثم رد عليه مدينة المنصور وطسوج مسكن وقطربل بعد فتنة ابن المعتز في سنة 296.
ولم يزل على هذه الولايات إلى سنة 316 ه. وأسن وضعف.
فتوصل أبو الحسين الأشناني إلى أن ولي قضاء المدينة، فكانت له أحاديث قبيحة، وقيل إن الناس سلموا عليه بالقبا إيماء إلى البغاء. وكان إليه الحسبة ببغداد.
فصرف في اليوم الثالث، وأعيد العمل إلى أبي جعفر، فامتنع من قبوله، ورفع يده عن النظر في جميع ما كان إليه، وقال: أحب أن يكون بين الصدر والقبر فرجة، ولا أنزل من القلنسوة إلى الحفرة.
وقال في ذلك:
تركت القضاء لأهل القضاء ... وأقبلت أسمو إلى الآخره
فإن يك فخراً جليل الثناء ... فقد نلت منه يداً فاخره
وإن كان وزراً فأبعد به ... فلا خير في إمرة وازره
فقيل له: فابذل شيئاً، حتى يرد العمل إلى ابنك أبي طالب.
فقال: ما كنت لأتحملها حياً وميتاً، وقد خدم ابني السلطان، وولاه الأعمال، فإن استوثق خدمته، قلده، وإن لم يرتض مذاهبه، صرفه، وهذا يفتضح ولا يخفى، وأنشدهم:
يقولون همت بنت لقمان مرة ... بسوء، وقالت: يا أبي ما الذي يخفى
فقال لها: ما لا يكون، فأمسكت ... عليه ولم تمدد لمنكرة كفا
وما كل مستور تغلق دونه ... مصاريع أبواب ولو بلغت ألفا
بمستتر والصائن العرض سالم ... وربتما لم يعدم الذم والقرفا
على أن أثواب البريء نقية ... ولا يلبث الزور المفكك أن يطفا
قال: ولست أعلم هذا الشعر له، أو تمثل به.
قال التنوخي، وكان أبو جعفر، يقول الشعر تأدباً، وتطرباً، وما علمت أنه مدح أحداً بشيء منه، وله قصيدة طردية مزدوجة طويلة، وحمل الناس عنه علماً كثيراً، ومن شعره:
رأيت العيب يلصق بالمعالي ... لصوق الحبر في يقق الثياب
ويخفى في الدنيء فلا تراه ... كما يخفى السواد على الإهاب
وله في الوزير ابن الفرات:
قل لهذا الوزير قول محق ... بثه النصح أيما إبثاث
قد تقلدتها مراراً ثلاثاً ... وطلاق البتات عند الثلاث
وكان الأمر على ما قاله، فإن ابن الفرات قتل، بعد الوزارة الثالثة في محبسه.
وله أيضاً:
أقبلت الدنيا وقد ولى العمر ... فما أذوق العيش إلا كالصبر
لله أيام الصبا إذ تعتكر ... لاقت لدينا لو تؤوب ما تسر
وله أيضاً:
ويجزع من تسليمنا فيردنا ... مخافة أن نبغي نداه فيبخلا
وما ضره أن يجتبينا ببشره ... فنقنع بالبشر الجميل ونرحلا
وله أيضاً:
وحرقة أورثتها فرقة دنفاً ... حيران لا يهتدي إلا إلى الحزن
في جسمه شغل عن قلبه وله ... في قلبه شغل عن سائر البدن
وله أيضاً:
أبعد الثمانين أفنيتها ... وخمساً وسادسها قد نما
ترجي الحياة وتسعى لها ... لقد كاد دينك أن يكلما
وله أيضاً:
إلى كم تخدم الدنيا ... وقد جزت الثمانينا
لئن لم تك مجنوناً ... فقد فقت المجانينا
القاضي أبو جعفر بن البهلول
يكشف عن براءة الوزير ابن الفرات مما اتهم به
حدث أبو الحسين علي بن هشام بن أبي قيراط، قال: دخلت مع أبي، إلى أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول، عقيب عيد، لنهنئه به.
وتطاول الحديث، فقال له أبي: قد كنت أكاتب الوزير، أيده الله، إلى محبسه، يعني ابن الفرات - لأنه هو كان الوزير إذ ذاك، الوزارة الثالثة - وأعرفه ما عليه القاضي، من موالاته في كذا وكذا، والآن، هو على شكر القاضي، والاعتداد به.