حدث أبو علي التنوخي، قال: حدثني أبو الحسن علي بن هشام بن عبد الله، المعروف بابن أبي قيراط، كاتب ابن الفرات، وأبو محمد عبد الله بن علي دلويه، كاتب نصر القشوري، وأبو الطيب محمد بن أحمد الكلوذاني، كاتب ابن الفرات، قالوا: كنا مع أبي الحسن بن الفرات في دار المقتدر، في وزارته الثالثة، في يوم الخميس لخمس ليال بقين من جمادى الآخرة من سنة 311 ه، وقد استحضر ابن قليجة، رسول علي بن عيسى إلى القرامطة في وزارته الأولى، فواجه علي بن عيسى في المجلس بحضرتنا، بأنه وجهه إلى القرامطة مبتدئاً، فكاتبوه يلتمسون منه المساحي والطلق وعدة حوائج، فأنفذ جميع ذلك إليهم.
وأحضر ابن الفرات معه خطه، أي خط علي بن عيسى، في نسخة أنشأها ابن ثوابة، إلى القرامطة، جواباً على كتابهم إليه، وقد أصلح علي بن عيسى فيها بخطه، ولم يقل إنكم خارجون عن ملة الإسلام بعصيانكم أمير المؤمنين، ومخالفتكم إجماع المسلمين، وشقكم العصا، ولكنكم خارجون عن جملة أهل الرشاد والسداد، وداخلون في جملة أهل العناد والفساد.
فهجن ابن الفرات علياً بذلك، وقال: ويحك، تقول: القرامطة مسلمون، والإجماع قد وقع على أنهم أهل ردة لا يصلون، ولا يصومون، وتوجه إليهم الطلق، وهو الذي إذا طلي به البدن أو غيره لم تعمل فيه النار.
قال: أردت بهذا المصلحة، واستعادتهم إلى الطاعة بالرفق، وبغير حرب.
فقال ابن الفرات، لأبي عمر القاضي: ما عندك في هذا يا أبا عمر؟ اكتب به.
فأفحم، وجعل مكان ذلك، أن أقبل على علي بن عيسى، فقال له: يا هذا لقد أقررت بما لو أقر به إمام لما وسع الناس طاعته.
قال: فرأيت علي بن عيسى، وقد حدق إليه تحديقاً شديداً، لعلمه بأن المقتدر، في موضع يقرب منه، بحيث يسمع الكلام، ولا يراه الحاضرون.
فاجتهد ابن الفرات بأبي عمر، أن يكتب بخطه شيئاً، فلم يفعل، وقال: قد غلط غلطاً، وما عندي غير ذلك، فأخذ خطه بالشهادة عليه، بأن هذا كتابه.
ثم أقبل على أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول القاضي، فقال: ما عندك يا أبا جعفر في هذا؟ فقال: إن أذن الوزير، أن أقول ما عندي فيه، على شرح، قلته.
قال: افعل.
قال: صح عندي عن هذا الرجل - وأومأ إلى علي بن عيسى - أنه افتدى بكتابين كتبهما إلى القرامطة، في وزارته الأولى ابتداء، وجواباً، ثلاثة آلاف رجل من المسلمين، كانوا مستعبدين، وهم أهل نعم وأموال، فرجعوا إلى أوطانهم، ونعمهم.
فإذا فعل الإنسان مثل هذا الكتاب على جهة طلب الصلح، والمغالطة للعدو، لم يجب عليه شيء.
قال: فما عندك فيما أقر به، أن القرامطة مسلمون؟ قال: إذا لم يصح عنده كفرهم، وكاتبوه بالتسمية بالله، ثم الصلاة على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وانتسبوا إلى أنهم مسلمون، وإنما ينازعون في الإمامة فقط، لم يطلق عليهم الكفر.
قال: فما عندك في الطلق، ينفذ إلى أعداء الإمام، فإذا طلي به البدن أو غيره، لم تعمل فيه النار؟ وصاح بها كالمنكر على أبي جعفر.
فأقبل ابن البهلول على علي بن عيسى، فقال له: أنفذت الذي هذه صفته إلى القرامطة؟ فقال علي بن عيسى: لا.
فقال ابن الفرات: هذا رسولك وثقتك ابن قليجة، قد قرأ عليك بذلك. فلحق علي بن عيسى دهشة، فلم يتكلم.
فقال ابن الفرات، لأبي جعفر بن البهلول: احفظ إقراره، بأن ابن قليجة ثقته ورسوله، وقد أقر عليه بذلك.
فقال: أيها الوزير، لا يسمى هذا مقراً، هذا مدعي، وعليه البينة.
فقال ابن الفرات: فهو ثقته بإنفاذه إياه.
قال: إنما وثقه في حمل كتاب، فلا يقبل قوله عليه في غيره.
فقال ابن الفرات: يا أبا جعفر أنت وكيله، ومحتج عنه، لست حاكماً.
فقال: لا، ولكني أقول الحق في هذا الرجل، كما قلته في حق الوزير، أيده الله لما أراد حامد بن العباس في وزارته، ومن ضامه، الحيلة على الوزير أعزه الله، بما هو أعظم في هذا الباب، فإن كنت لم أصب حينئذ، فلست مصيباً في هذا الوقت.
فسكت ابن الفرات، والتفت إلى علي بن عيسى، وقال: يا قرمطي.
فقال له علي بن عيسى: أيها الوزير، أنا قرمطي؟ أنا قرمطي؟ يعرض به.
القاضي أبو جعفر بن البهلول
يطلب بين الصدر والقبر فرجة
قال ابن عبد الرحيم، حدثني القاضي أبو القاسم التنوخي، وله بأمره الخبرة التامة لما يجمعهما من النسب والصناعة، قال: