وقال بعض الحاضرين لأبي: إن من عيون شعر أبي رياش قوله من أبيات، عند ذكر امرأة شبب بها:
لها فخذا بختية تعلف النوى ... على شفة لمياء أحلى من التمر
فغضب أبو رياش، ونهض، فأمر أبي بإجلاسه، وقال للحاضر القائل: ولا كل ذا، وترضاه، ووهب له دراهم صالحة القدر.
أبو محمد المافروخي الفأفاء
يفأفيء له ابن أحد خلفائه حدث التنوخي: أن أبا محمد المافروخي، وكان فأفاءاً، اعترض جملاً فسير في صحن الدار بحضرته، ووقف ليخاطب عليه، فلم يرضه، فقال: أخرجوه عني، وكرر أخ أخ، لأجل عقلة لسانه، فبرك الجمل، لأنه ظن أنه يقال له ذلك، كما يقال إذا أريد منه البروك.
قال: وكان إذا أنشد الشعر ، أو قرأ القرآن، قرأه، وأورده، على أحسن ما يكون من حسن الأداء وطيب الحنجرة.
فقيل له: لو كان كلامك كله شعراً، أو كقراءة القرآن، تخلصت من هذه الشدة، فقال: يكون ذلك طنزاً.
قال: وكان أحد خلفائه، قد خرج إلى بعض الأعمال، واستخلف بحضرته ابناً له، كان مثل المافروخي في الفأفأة.
فخاطبه المافروخي أول ما دخل إليه، في أمر شيء قال فيه " ووو " مراراً. فأجابه ذلك الابن بمثل كلامه.
فقال: يا غلمان قفاه، كأنه يحكيني.
فصفع صفعاً محكماً، حتى حضره أقوام، وحلفوا له أن ذلك عادته، فأخذ يعتذر إليه، وقال: الذنب ذنب أبيه، لما ترك في حضرتي مثله.
بين القاضي أبي عمرو الأزدي والقاضي
أبي جعفر بن البهلول
حدث أبو نصر، يوسف بن عمر بن القاضي أبي عمر محمد بن يوسف قال: كنت أحضر دار المقتدر بالله، وأنا غلام حدث، بالسواد، مع أبي الحسين، وهو يومئذ، قاضي القضاة.
فكنت أرى في بعض المواكب، القاضي أبا جعفر، يحضر بالسواد، فإذا رآه أبي، عدل إلى موضعه، فجلس عنده، فيتذاكران الشعر والأدب والعلم، حتى يجتمع عليهما من الخدم عدد كثير لا يحصى، كما يجتمع على القصاص، استحساناً لما يجري بينهما.
فسمعته يوماً، وقد أنشد بيتاً لا أذكره الآن، فقال له أبي: أيها القاضي، إني أحفظ هذا البيت بخلاف هذه الرواية.
فصاح عليه صيحة عظيمة، وقال: اسكت، ألي تقول هذا؟ أنا أحفظ لنفسي، من شعري خمسة عشر ألف بيت، وأحفظ للناس أضعاف ذلك، وأضعافه، وأضعافه، يكررها مراراً.
وفي رواية ابن عبد الرحيم عن التنوخي، قال: قال له: هاه، ألي تقول هذا؟ وأنا أحفظ من شعري نيفاً وعشرين ألف بيت، سوى ما أحفظه للناس.
قال: فاستحيا أبي منه، لسنه ومحله، وسكت.
بين القاضي أبي جعفر بن البهلول
وأبي جعفر الطبري
حدثني القاضي أبو طالب محمد بن القاضي أبي جعفر البهلول، قال: كنت مع أبي في جنازة بعض أهل بغداد من الوجوه، وإلى جانبه في الحق جالس، أبو جعفر الطبري.
فأخذ أبي يعظ صاحب المصيبة، ويسليه، وينشد أشعاراً، ويروي له أخباراً، فداخله الطبري في ذلك، وذنب معه، ثم اتسع الأمر بينهما في المذاكرة، وخرجا إلى فنون كثيرة من الأدب والعلم، استحسنها الحاضرون، وعجبوا منها، وتعالى النهار، وافترقا.
فلما حصلت أسير خلفه، قال: يا بني، هذا الشيخ الذي داخلنا اليوم في المذاكرة، من هو؟ أتعرفه؟ قلت: يا سيدي كأنك لم تعرفه؟ فقال: لا.
فقلت: هذا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري.
فقال: إنا لله، ما أحسنت عشرتي يا بني.
فقلت: كيف يا سيدي؟ فقال: ألا قلت لي في الحال، فكنت أذاكره غير تلك المذاكرة؟ هذا رجل مشهور بالحفظ والاتساع في فنون من العلم، وما ذاكرته بحسبها.
قال: ومضت على هذا مدة.
فحضرنا في حق لآخر، وجلسنا، وإذا بالطبري يدخل إلى الحق.
فقلت له، قليلاً، قليلاً: أيها القاضي، هذا أبو جعفر الطبري، قد جاء مقبلاً.
قال: فأومأ إليه بالجلوس عنده، فعدل إليه، فأوسعت له، حتى جلس إلى جنبه، وأخذ أبي يجاريه، فكلما جاء إلى قصيدة ذكر الطبري منها أبياتاً، قال أبي: هاتها يا أبا جعفر، فربما مر، وربما تلعثم، فيمر أبي في جميعها حتى يسفها.
قال: فما سكت أبي يومه ذاك إلى الظهر، وبان للحاضرين تقصير الطبري، ثم قمنا.
فقال لي أبي: الآن شفيت صدري.
القاضي أبو جعفر بن البهلول
لا يخشى في القول الحق لوم لائم