FluentPlex

Table-Talk

الخليفة المعتضد يتخبر على وزيره

Original text Public domain

Read with the dictionary

قال: وجعل ذلك الصاحب، يطوف حوالي دار الخليفة، ليجد من يشبه صاحب خبر، فيخمن عليه، فما ظفر بشيء يومه ذلك.

فلما كان من الغد، طاف الدواوين، ومجالس أصحاب البريد والخبر، يومه أجمع، فما ظفر بشيء.

فلما كان اليوم الثالث، طاف دار الوزارة، ومقاصيرها، فلم يظفر بشيء.

فلما كان في اليوم الرابع، وقف على دابته في باب العامة، متحيراً، لا يدري، ينتظر أن يخرج الوزير راكباً، فيركب معه في الموكب، فيتفقد الوجوه، إذ كان لم يبق له شيء يجده، وإذا هو برجل شاب يحبو على ركبتيه زمانة، كما يكون الزمن الذي يتصدق، وقد جاء قبل طلوع الشمس بشيء كثير، فزحف، ودخل على البوابين، فلم يمنعوه.

قال الرجل: فحين بلغ العتبة، وقف مع البوابين، يحدثهم ساعة، وأنا أصغي إليه، ويسألهم عن أخبارهم، ويدعو لهم، وهم على بشاشة، إلى أن أخذ بهم في غير ذلك الحديث.

إلى أن قال: من بكر اليوم إلى الدواوين، ومن دخل؟ ومن حجب؟ فقالوا له: فلان وفلان.

فحين سمعت ذلك، علمت أنه صاحب خبر، فأتبعته بصري، إلى أن جاز البوابين، ودخلت وراءه، فبلغ إلى أصحاب الستور، فكانت صورته معهم كصورته مع أولئك، فأخبروه بما لم أكن أعلم، مع اختصاصي بخدمة الوزير، من وصول الناس إليه، وحجبهم عنه.

وتجاوز إلى دهليز العامة، فنزلت عن دابتي، وهو لا يفطن لي، فبلغ إلى موضع الحجاب، فولع به الحجاب، ولم يحدثهم بشيء ولم يحدثوه، ودعا لهم، وتصدق منهم، فأعطوه.

فتجاوزهم إلى الصحن، وأنا أراه، فلم يزل يحبو، ويطوف، على خزانة، خزانة، من خزائن الفرش، والشرب، والكسوة، وحجر الغلمان، والخدم، ويبحث عن الأخبار، ويحدث بكل شيء، وأنا أسمع، حتى استفدت ما لم أكن أعرفه من تخبر دار الوزير.

ثم جاء إلى باب الحرم، فدعا للخادم الموكل بالباب، فتصدق عليه، وأعطاه، وجلس هناك يتطايب، وكل من دخل وخرج، من جارية، أو خادم، يسأله عن خبره، ويولع به، ويهب له شيئاً، ويستخرجهم أخبار الدار، وينقل ما فيه، ويقول: قولوا لستنا فلانة تهب لي ما وعدتني به، وقولوا لستي فلانة، تتصدق علي، وسلوا ستي القهرمانة الفلانية عن خبراها، وأقرؤوها سلامي، وأنا أشاهده، وأتعجب منه، حتى استنفذ من أخبار جواري القاسم، ومبيته، وعند من بات منهم البارحة، وما بين الجواري من السرور والأنس، وأخبار كسوتهم، وأشياء من هذا الجنس، كل شيء طريف.

ثم زحف، ودخل دار الخلوة التي يخلو فيها الوزير، وكان يركب منها، فهش به فراشو الحجرة، والخاصة، والخدم، والغلمان الأصاغر، وضاحكوه، ودعا لهم، وأخذ من بعضهم براً، وسألهم عن خبر الوزير في خلوته تلك، وشربه.

وقال له بعضهم: هو مغموم غماً شديداً منذ يومين، لا نعرف سببه، فما يشرب، ولا يأكل، ولا نام، ولا خلا.

وكل ذلك، وهو يظهر في مسائلته التطايب، وأنه كالمتغير المعتوه، ويحمل أولئك ألفاظه على هذا، فيخبره منهم الضعيف العقل، والمزاح، والأخرق، وهو يحتمله، إلى أن فرغ من أهل حجرة الخلوة.

ثم خرج، فزحف أشد زحف، على هيأته، لا يعرج على شيء، حتى جاء إلى مجلس الكاتب، فأقام هناك طويلاً، ففعل كفعله.

ثم خرج من الباب، وقد ملأ زنبيلاً كان معه، من الخبز والحلوى والطعام، وملأ جيبه من الدراهم.

فلما صار على باب الدار، قلت للبوابين: تعرفون هذا؟ فقالوا: رجل زمن أبله، يجيء فيتصدق، وخلقه طيب، فكل من في الدار، يستطيبه، ويبره.

قلت: قد رحمته، واشتهيت آخذ له شيئاً، ففيكم من يعرف بيته؟ فقالوا: لا.

فركبت، واتبعته، ولحقت به، ووقفت كأنني أحدث غلامي، وأسير خلفه على تؤدة، حتى جاء إلى الجسر، فعبره زاحفاً، وأنا وراءه، ودخل الخلد، ودخلت معه، وولج في خان، فقلت لغلامي: اتبعه، فاعرف بيته في الخان، ففعل، وعاد إلي، فوصفه لي.

فوقفت متحيراً، لا أدري ما أعمل، ولا من أسأل عنه، وأخاف أن أنفره، فيهرب.

وطال وقوفي، وهممت بالانصراف، فإذا به قد خرج بريئاً، نظيفاً، بثياب مروية ولحية بيضاء، وطيلسان، وعمامة قد جعلها فوق حاجبيه، فلولا قرب عهدي به، وبرؤيته، لما عرفته، وإذا هو يمشي لا قلبة به.

فتأملت لحيته، وإذا هي ملبسة فوق لحيته، وقد أخفاها بعمامته، وإنما فطنت لذلك، لشدة تأمله، وصرف اهتمامي إلى ذلك، مع قرب عهدي برؤيته.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account