وحدثنا، قال: حدثنا جعفر الخلدي، قال: حدثني الخواص الصوفي، قال: ركبت في البحر، مع جماعة من الصوفية، فلما أوغلنا فيه كسر بنا، وركبنا خشباً من خشب المركب، ونجا منا جماعة، فوقعنا إلى ساحل لا ندري أين هو، ولا ما هو، فأقمنا فيه أياماً، لا نجد ما نقتاته، وأحسسنا بالهلاك.
فاجتمعنا، وقال بعضنا لبعض: تعالوا حتى نجعل لله عز وجل، على أنفسنا، إن هو خلصنا من هذا المكان، وأحياناً، أن ندع له شيئاً.
فقال بعضنا: لا أفطر الدهر.
وقال بعضنا: أصلي كل يوم كذا وكذا ركعة.
وقال بعضنا: أدع الكذب.
إلى أن قال كل واحد من الجماعة شيئاً، وقالوا لي: ما تقول أنت؟ فقلت: لا آكل لحم فيل أبداً.
فقالوا: ما هذا الهزل في مثل هذا الموضع؟ فقلت: والله، ما تعمدت الهزل، ولكني منذ بدأتم، أعرض على نفسي شيئاً، أدعه لله عز وجل، فلا تطاوعني نفسي، إلى غير هذا الذي لفظت به، وما قلت إلا ما اعتقدته.
فقالوا: لعل هذا أمراً.
وتفرقنا بعد ساعة، نطوف تلك الأرض، نطلب شيئاً للأكل، فوقعنا على فرخ فيل، في نهاية السمن، فأخذه أصحابنا، واحتالوا فيه، حتى ذبحوه، وشووه.
وقالوا: تقدم، فكل.
فقلت: منذ ساعة، تركته لله عز وجل، ولعل ذلك الذي جرى على لساني من ذكره، إنما هو سبب موتي، لأني لم آكل منذ أيام شيئاً، ولا أطمع في شيء آخر آكله، وما يراني الله أنقض عهده، فكلوا، واعتزلتهم.
فأكلوا، وشبعوا، وعاشوا، وأقبل الليل، فتفرقوا في مواضعهم التي كانوا يبيتون فيها، وأويت إلى أصل شجرة، كنت أبيت عندها.
فلم يكن إلا ساعة، وإذا بفيل، أقبل من الموضع الذي استخرجنا منه الفرخ، وهو ينعر، والصحراء قد امتلأت بنعيره، وشدة وطأته، وهو يطلبنا.
فقال بعضنا لبعض: قد حضر الأجل، فاستسلموا، وطرحوا أنفسهم إلى الأرض، على وجوههم.
فجاء الفيل، وجعل يقصد واحداً واحداً، فيشمه من أول جسده، إلى آخره، فإذا لم يبق منه موضع إلا شمه، شال إحدى قوائمه، فوضعها على الرجل، حتى يفسخه، فإذا علم أنه قد تلف، شال قائمته، وقصد الآخر، ففعل به، مثل فعله بالأول.
وظل على هذا، إلى أن لم يبق غيري، وأنا جالس منتصب، أشاهد ما يجري، وأدعو وأستغفر، ما طرحت نفسي، ولا هربت، إلى أن قصدني، فحين قرب مني، طرحت نفسي على ظهري، فجاء حتى تشممني من سائر أعضائي، أو أكثرها، كما فعل بأصحابي، ثم أعاد تشممي مرتين، أو ثلاثاً، ولم يكن فعل ذلك بهم، ثم لف خرطومه علي، وشالني في الهواء، فقلت: هذه قتلة أخرى، يريد أن يقتلني بها، فما نحى خرطومه عني، حتى جعلني فوق ظهره، فانتصبت جالساً، وحفظت نفسي، وحمدت الله سبحانه على تأخر القتل، وجعلت أعجب مرة، وأتوقع القتل أخرى، والفيل يهرول، ويسرع، إلى أن أضاء الفجر، فوقف، وأصعد خرطومه إلي، فقلت: حضر الأجل، فلفه علي، وأنزلني على رفق إلى الأرض، وتركني عليها، وجعل يسعى في الطريق التي جاء منها، وأنا لا أصدق.
فلما بعد عني، حتى لم أره، أقبلت أدعو وأصلي، وتأملت موضعي، وإذا أنا على محجة، فمشيت عليها نحو فرسخين، فإذا بلد عظيم، قد لاح لي، فقصدته، ودخلته، فإذا هو بلد من بلدان الهند العظيم، وذكر اسمه.
قال: فعجب أهله مني، وسألوني عن قصتي، فأخبرتهم بها، فزعموا أن الفيل، قد سار في هذه الليلة الواحدة، مسيرة أيام.
وتسببت إلى الخروج من عندهم، والنقلة من بلد إلى بلد، حتى حصلت في بلدي سالماً.
يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه
قال: حدثني جعفر، قال: ودعت في بعض حجاتي، المزين الكبير الصوفي، وقلت له: زودني شيئاً.
فقال: إن ضاع منك شيء، وأردت أن يجمع الله بينك وبين إنسان، فقل: " يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، اجمع بيني وبين كذا " ، فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء، أو ذلك الإنسان.
طلسم لإزالة الغم
قال: فجئت إلى الكتاني الكبير الصوفي، فودعته، وقلت له: زودني شيئاً، فأعطاني فصاً عليه نقش كأنه طلسم، وقال: إذا اغتممت فانظر إلى هذا، فإن غمك يزول.
قال: وانصرفت، فما دعوت الله بتلك الدعوة في شيء، إلا استجيبت، ولا رأيت الفص، وقد اغتممت، إلا وزال غمي.