قال: فخرجت، واتفق أن شعرة واحدة، ابيضت في لحيتي، في مسافة الطريق، فلما دخلت الأهواز، تعملت لإخراجها بالمشط، إلى حيث يلحقها النظر، تجملاً بها.
واستقبلني محمد بن جعفر بن معدان الشاهد، وكان يخلف أبا جعفر، على الوقوف، وقد كاتبه بإعظامي، وتلقي، فجاءني بمركوب إلى الشط، وركبته إلى دار اتخذت لي، وكان يغشاني في كل يوم.
فلما أردت الخروج إلى عملي، قال لي: قد هالني ما رأيته من فضل القاضي أيده الله، فكم سنوه؟ فذكرت، وصية أبي جعفر، فقلت: دون الأربعين سنة.
فقال: دونها بكم؟ فقلت: لست أذكر.
فلم يشك أني ناس لتحققها، فأمسك عني.
وهذا ضد ما نشاهده الآن، فإني قد رأيت ببغداد، قاضيين، هاشميين خطيبين، شاهدين، أحدهما أجل وأنبه، وإليهما أعمال جليلة، وأحدهما قد تقلد من جهة الخليفة جلائل الأعمال، ووهل نفسه، لقضاء القضاة، وخطب ذلك فما تم له، وهما يخضبان لحيتهما، ظاهراً، بالسواد، وأحدهما ترك ذلك، قبل موته بسنين، وهو الأدون محلاً، والآخر باق مقيم على الخضاب، إلى الآن، ونسأل الله ستراً جميلاً، فإن الخضاب، وإن كانت فيه روايات، فإنما يعذر فيه الجند، والكتاب، ومن لا يتصدى للحكم والشهادة، فأما من نصب نفسه، فلا عذر له فيه.
ابن شاهويه القاضي يبحث في قضية شرعية
حدثني أبو القاسم عبد الرحيم بن جعفر، الفقيه المعروف، بابن السماك، السيرافي، قال: كنت بحضرة أبي بكر محمد بن أحمد بن علي بن شاهويه، القاضي بأرجان، فتقدم إليه نفسان، ادعى أحدهما على الآخر ألف درهم.
فسأله: فأنكر.
فقال للمدعي: لك بينة؟ فقال: لا، ولكن استحلفه لي.
فقال للمدعى عليه: أتحلف؟ قال: قد كان قدمني إلى القاضي الذي كان قبلك، واستحلفني له، على هذه الدراهم.
فقال للمدعي: ما تقول؟ فقال: نعم، قد كان حلف لي كاذباً.
فقال: انصرف، فلا مطالبة لك عليه.
فانصرفا.
ثم التفت إلي، وإلى أبي الوعد الفقيه على مذهبنا، يعني مذهب أبي حنيفة، وجماعة من الفقهاء كانوا قعوداً، والجماعة حنفيون، فقال: أرأيتم إن ادعى هذا المدعي الألف، إنه قد حلف المدعى عليه، وإني ما حلفته، وأردنا أن نعرض اليمين عليه، فذكر أنه قد حلف على هذا المعنى، ولم يزل ذلك يتردد بينهما، في دعوى كل واحد على صاحبه، كيف نفصل الحكم بينهما؟ قال: ففكرنا جميعاً ساعة، ثم جرى خوض لم يتقرر له معنى، ولم يتضح لنا وجه الفتوى.
فقلت له: إن رأى القاضي، أن يذكر ما عنده.
فقال: حكى لنا القاضي أبو طاهر الدباس، عن أبي خازم القاضي، في هذه المسألة بعينها إنه قال: للحاكم أن يستحلف الذي ادعيت عليه الألف في الابتداء، إن هذا المدعي عليك الألف درهم، لم يستحلفك عليها عند حاكم آخر.
الدليل على تحليل نبيذ التمر
سئل بعض غلمان أبي الحسن الكرخي، عن الدليل على تحليل النبيذ التمري المعمول بالداذي، الشديد، المسكر، فقال: قد وجدنا، أن الله تعالى، لما وعدنا بالجنة، ووصفها لنا، أباح لنا في الدنيا من جنس ما وعدنا به، وحلل لنا تناولها، لنعرف بذلك فضل ما وعدنا به في الجنة، ودوام ذلك، وانقطاع هذا.
فلما وعدنا بالخمر في الجنة، وقد حرمها علينا في الدنيا، ولا طريق إلى علم فضلها، لنحرص على الأعمال التي توجب دخول الجنة، وشربها فيها، فوجب أن يبيح لنا في الدنيا، شيئاً من جنسها هكذا، نستدل به على طيبها، فكان النبيذ.
دليل آخر على تحليل النبيذ
وكان قد سئل عن مثل هذا مرة أخرى، فقال: إن الله تعالى، خلق المنثور الذي ليس بخيري، والله لا يخلق ما لا فائدة فيه، وليس فيما عدا الخيري من المنثور فائدة، إلا أن يشرب عليه النبيذ.
وكان يخرج هذا القول، مخرج الجد، لمن يستضعفه، ومخرج الهزل، مع أهل العلم.
الجبائي وتحليل النبيذ
وأصحاب الحديث، والحفاظ، يقولون: إنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث في تحريم النبيذ، ولا في تحليله.
فذهب أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي، في مسألة أملاها في تحليل النبيذ، مشهورة، إلى أن الأصل في الأشياء، أنها على الإباحة، إلى أن يثبت حظرها.
فلما كان العقل، لا يدل على تحريم النبيذ، ولم ينقطع العذر عن تحريمه، وجب أن يكون على الأصل من الإباحة.