ثم نصر ذلك، بأشياء أوردها، واعترض أدلة المحرمين له، وبين فسادها، وأورد زيادات على نفسه، وانفصل عنها بما يطول شرحه، ويخرج عما نحن فيه، إن أوردناه.
الوزير المهلبي يناظر بعض دعاة الفتنة ببغداد
حضرت مجلس أبي محمد المهلبي، وكانت العامة ببغداد، قد هاجت في أيام وزارته، وعظمت الفتنة، وقبض على جماعة من العيارين وحملة السكاكين، وجعلهم في زوارق مطبقة، وحملهم إلى بيروذ، وحبسهم هناك.
فاستهانوا بالقصة، وكثف أمرهم، وكثر كلام القصاص في الجوامع، ورؤساء الصوفية، فخاف من تجديد الفتنة، فقبض على خلق منهم، وحبسهم، وأحضر أبا السائب، قاضي القضاة إذ ذاك، وجماعة من القضاة، والشهود، والفقهاء، وكنت فيهم، لمناظرتهم، وأصحاب الشرط، لنأمن مضرتهم، إذا قامت الحجج عليهم.
فاتفق أن بدىء برجل من رؤساء الصوفية، يعرف بأبي إسحاق بن ثابت، ينزل بباب الشام، أحد الربانيين، عند أصحابه، فقال له: بلغني أنك تقول في دعائك: " يا واحدي بالتحقيق، يا جاري اللصيق " ، فمن لا يعلم بأن الله لا يجوز أن يوصف بأنه لصيق على الحقيقة، فهو كافر، لأن الملاصقة من صفات الأجسام، ومن جعل الله جسماً كفر، فمن يكون محله في العلم هذا، يتكلم على الناس؟ وقل لي: ما معنى ما بلغني عنك، أنك تقول في جملة كلامك: " أخذتني مني، ولم تبقني علي، فها أنا بلا أنا " .
حصلنا على أنكم تهذوا، وتوهموا الناس، على أنكم ربانيين، وتستدعونهم، بالجهالات، إلى الضلالات، وتفتنون حضرة السلطان عليه.
السياط يا غلام.
فلم يزل يسأل في أمره، حتى كف عنه، وكتب عليه أن لا يتكلم على الناس، ولا يحلق حلقة.
لماذا كنى نفسه أبا البيان
كان يجيء - بالبصرة - إلى معلمي، معلم يكنى أبا الحسن، وكنى نفسه، أبا البيان.
فسمعت معلمي يعاتبه على ذلك، ويقول: يا هذا، غيرت كنيتك، وهي مقبولة، وكنية أمير المؤمنين.
فقال له: يا أبا جعفر، كم رأيت في عمرك من كنيته أبو الحسن؟ قال: لا أحصي.
قال: فهل رأيت أبا البيان غيري؟ قال: لا.
قال: خذ بيدك، هذه واحدة من فضائلها، ومن ذلك أني أشتهر بها، ولا أشارك فيها.
ومن فضائلها: أن تسقط عني التلقيب، وأن يشتغل الناس بها، عما سوى ذلك من عيوبي.
طريقة أبي البيان المؤدب في التدريس
ورأيته يوماً عند معلمي، في مكتبي، وقد حضر وقتاً كان فيه المعلم يأخذ علينا الشعر، وكانت عادته أن يقيم الصبيان صفاً، فيطالبهم بإنشاد القصيدة.
فأقامهم في تلك العشية، وقد حضر أبو البيان، فقال له: يا أبا جعفر، ما هذا التفريط؟ قال: وكيف؟ قال: إن لي عادة في سياسة الصبيان، لا أرخص لهم فيها، إن سألتني علمتك إياها.
فقال: افعل.
قال: تقدم إلى صبيانك، أن يمتثلوا أمري، لأريك ذلك.
فقال لهم أبو جعفر: انظروا ما يأمركم به أبو البيان، فافعلوه.
فأقبل عليهم يخاطبهم في كلامه، فقال: لكم أقول أيها الصبيان، ولمن يجاوركم من الغلمان، إلى حدود الأحداث والفتيان، اسمعوا وعوا، فمن خالف بعد البرهان، أنزلت به غليظ الامتحان، تراصوا في صفوفكم، والزقوا أقدامكم، وأقيموا ألواحكم، وأقبلوا علي بألحاظكم، وأحضروا فيما تنشدون قلوبكم، وارفعوا أصواتكم، وقولوا قول صبي واحد:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
وصاح بالشعر مطرباً.
فما ملك الصبيان الضحك، وضحك معلمي معهم.
فقال: يا أبا جعفر، التراب والجندل بفيك وعلى رأسك، والويل والويح محيطان بك، أتطمع أن تعلمهم بهذه الهيبة؟ حفت بك اللعنة والخيبة، أسبابك أفسدت، أمن قدري بضحكك وضعت؟ أم سترك عند هؤلاء الأنكاد هتكت؟ أشهد الله، لا أكلمك، أو تعتذر.
وأخذ أبو جعفر، يداريه، ويعتذر إليه، حتى رضي لوقته.
وكان يقول الشعر، وينشده أبا جعفر دائماً، وما حفظت منه شيئاً.
ولولا أن هذه الألفاظ، تعاودناها في المكتب ونحن صبيان، لم تعلق بحفظي، فلما ترعرعت، كتبتها في موضع، وأنسيتها، ثم نقلتها منه، إلى هذا الموضع، وبقيت عندي إلى الآن.
مؤدب يتشاتم مع التلاميذ
وسمعت، وأنا في الكتاب، أنه جاء إلى معلمي، فأسلم إليه ابنه، فقال له: لم نقلته من عند المعلم الأول؟ قال: لأنني جزت به يوماً، والصبيان يتشاتمون، وهو لا يمنعهم بأكثر من أن يقول: قيدوا ألفاظكم، أخزى الله حرماتكم، لا تتشاتموا يا بني البظر.