قال: وكان رسم الكرخي، أن يستدعي أبا جعفر بن معدان، في كل يوم، إلى طعامه، فاستدعاه في ذلك اليوم، فتأخر، وراسله، بأنه من كان صاحبه، وثقته، واختياره، متهماً، مسلطاً عليه محالات الكتاب، معتقلاً، لا يستدعي للمراكلة.
قال: فامتنع الكرخي من الأكل، وأنفذ إليه الأشجعي، مع كاتب له، والحساب، وقال: والله ما كنت بالذي أدع محالاً يستمر على صاحبك، وما أخرج عليه إلا شيئاً صحيحاً، وقد يجوز أن يكون ضيع ذلك، ولم يتناوله، ولعمري إن من يكون اختيارك، وثقتك، لا يخون، ولم يك ملازماً، وإنما أجلسته انتظاراً لك، لتجيء فتدبر أمره، وإذا كان ذلك قد شق عليك، فمالي لك، وهذا الرجل والحساب، إن شئت أن تستوفي لي ذلك، أو بعضه، أو تدعه جميعه، فافعل، ولا تتأخر عني، فلست آكل، أو تجيء.
قال: فأطلق الأشجعي إلى منزله، وركب هو إلى الكرخي، ثم لم يعاود أحدهما صاحبه في معنى الأشجعي بكلمة، وفاز بالدنانير.
ومضت القصة على ذلك.
يرى مناماً فيمزق كتاباً
حدثني القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن مروان، قال: حدثني خالي محمد بن هارون، قال: قال لي بعض أصحابنا: كنت في بعض الليالي، أنظر في كتاب التشريح لجالينوس، فغلبتني عيني، فرأيت هاتفاً، يهتف بي، ويقرأ: " ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض، ولا خلق أنفسهم، وما كنت متخذ المضلين عضداً " .
فاستيقظت، ومزقت الكتاب.
القاضي أبو خازم يتأنى في أحكامه
وحدثني القاضي أبو بكر، قال: حدثني مكرم بن بكر، قال: كنت في مجلس أبي خازم القاضي، فتقدم رجل شيخ، ومعه غلام حدث، فاستدعى الشيخ عليه ألف دينار عيناً ديناً.
فقال له: ما تقول؟. فأقر.
قال: فقال للشيخ: ما تشاء؟ قال: حبسه.
فقال للغلام: قد سمعت، فهل لك في أن تنقده البعض، وتسأله الإنظار؟ قال: لا.
فقال الشيخ: إن رأى القاضي أن يحبسه.
قال: فتفرس أبو خازم فيهما ساعة، ثم قال: تلازما، إلى أن أنظر بينكما في مجلس آخر.
قال: فقلت لأبي خازم، وكانت بيننا مودة وأنسة: لم أخر القاضي حبسه؟ فقال: ويحك إني أعرف في أكثر الأحوال، في وجوه الخصوم، وجه المحق من المبطل، وقد صارت لي بذلك دربة لا تكاد تخطىء، وقد وقع لي أن سماحة هذا بالإقرار، هي عن بلية، وأمر يبعد عن الحق، وليس في ملازمتهما بطلان حق، ولعله أن ينكشف لي من أمرهما شيء، أكون معه في الحكم على ثقة، أما رأيت قلة تغاضبهما في المناظرة؟ وقلة اختلافهما؟ وسكون جأشهما، مع عظم المال، وما جرت عادة الأحداث بفرط التورع، حتى يقر مثل هذا طوعاً، عجلاً، بمثل هذا المال.
قال: فبينا نحن كذلك نتحدث، إذ استؤذن على أبي خازم، لبعض وجوه تجار الكرخ، ومياسيرهم، فأذن له، فدخل، وسلم عليه، وسبب لكلامه، فأحسن، ثم قال: قد بليت بابن لي حدث، يتلف مالي في القيان والبلاء، عند مقين يعرف بفلان، - وأسماه - فإذا منعته مالي، احتال بحيل تضطرني إلى غرم له، وإن عذلته عن ذلك، وعددت حالي معه، طال، وأقربه اليوم، إنه قد نصب المقين، ليطالبه بألف دينار عيناً، ويجعل ذلك ديناً حالاً، وبلغني أنه قد تقدم إلى القاضي، فيطالبه، فيحبس، وأقع مع أمه في بلية وتنغيص عيش، إلى أن أؤدي ذلك عنه إلى المقين، فإذا قبضه المقين، حاسبه به من الجذور.
ولما سمعت ذلك، بادرت إلى القاضي لأشرح له الأمر، فيداويه بما يشكره الله تعالى عليه، فجئت، فوجدتهما على الباب.
فحين سمع أبو خازم ذلك، تبسم، وقال لي: كيف رأيت؟ قال: فقلت: هذا، ومثله، من فضل الله عز وجل، على مولانا القاضي وجعلت أدعو له.
فقال: علي بالغلام والشيخ، فأدخلا.
فأرهب أبو خازم الشيخ، ووعظ الغلام، فأقر الشيخ أن الصورة كما بلغت القاضي، وأن لا شيء له عليه.
وأخذ الرجل بيد ابنه، وانصرفا.
أبو جدي كنية التيس
قال لي القاضي: كان مكرم هذا، من فضلاء الرجال، وعلمائهم، وكنت أرى رجلاً يدعوه: أبا جدي.
فقلت له: ما غرضك؟ فقال: ألست تعلم أن أبا الجدي، هو التيس.
لأبي علي الحاتمي في الأمير سيف الدولة
أنشدني أبو علي محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي، قصيدة له في سيف الدولة، وهي:
دنو فراق خلف الصبر نائيا ... ووجد محب غادر الدمع جاريا