فقلت: لا تصلح لي.
فقال: فالغنم؟ فقلت: كم عساك تعطيني؟ فقال: حكمك.
فقلت: بعدد كل نقطة في الثوب شاة.
فقال: قد أجبتك.
فأخذت أعد النقط، فلم ينضبط لي ذلك، وجهد جميع من عنده في هذا، فتعذر عليهم.
فقال لي: ما نعمل الآن، قد تعبنا، وأتعبناك في شيء لا يصح، فهممت بحمل الثوب والانصراف.
ففكر ساعة، ثم قال لترجمانه: قل له يبسط الثوب.
وكان له ترجمانان، يكلم أحدهما بلغته، فيكلم الترجمان، ترجماناً آخر، بلغة أخرى، فيكلمني ذاك بالفارسية، فأفهم.
قال: فبسطت الثوب، وأمر الملك، فأضر كل ما قدر عليه من حصى صغار وأحجار لطيف، فترك على كل نقطة حصاة، حتى امتلأ الثوب بالحصى والحجارة اللطاف، فوق النقط.
ثم أمر بجمع أمر عظيم من الغنم، وأوقفت بحضرته، وأمر رجالاً أن يجلسوا، ورجالاً أن يقوموا، فجلس بعضهم على الثوب.
فكانوا يأخذون حصاة حصاة فيلقونها عن الثوب، فكلما ألقى من الجلوس رجل حصاة، أخذ رجل من القيام، شاة من الموضع الذي فيه الغنم إلى رحلي، وسلمت إلى أصحابي، حتى استوفيت على عدد الحصى الذي كان فوق الثوب، بكل نقطة شاة.
قال: فاستحسنت فطنته لذلك، فقلت للتراجم: قولوا له: ما أنصرف إلى بلدي بشيء أحسن من فطنة الملك، لاستخراج هذا، فكيف وقع له هذا وهو لا يلابس مثله؟ وأنا تاجر، ما وقع لي ، ولا لجميع أهل مملكته.
قال: فأعجبه قولي، وقال: إنك لما أردت الانصراف، تأسفت على ما يفوتني من الثوب، ففكرت، والملوك لا بد أن يدبرهم الملك، ويسير لهم مزية في حيل الرأي في الحوادث التي تطرقهم، ليست لغيرهم، لأن أفكارهم صافية من الاهتمام بما يهتم به غيرهم من المعايش، موقوفة على مصالح المملك، ومداراة الخوارج، أو على الشهوات، قد ما شغلوا به نفوسهم، وليس يتحصل لواحد منهم الملك، إلا لشرفه، ومعنى قد فضل به، وتقدم من أجله، إما بسعادة تخدمه، أو بفضل في نفسه، فلما رأيت أن الثوب يريد أن يفوتني، فكرت، كيف الحيلة في عد النقط، فوقع لي ما رأيت.
فقلت له: أيها الملك، فائدتي بما سمعته منك، من هذا الكلام، أحب إلي من فائدتي بما ربحته عليك من ثمن الثوب.
قال: فأجازني بجائزة سنية، وأصحبني من آنسني، وخدمني في طريقي، وحمل معي تلك الغنم، إلى أن خرجت من أعماله، فبعنها بمال عظيم.
أبو علي الأنباري والطبيب الأنباري
و الطبيب يوحنا الأهوازي
حدثني أبو علي الأنباري، قال: كنت بحضرة أبي يوسف البريدي، فكتبت كتباً كثيرة ، وحمي النهار فقمت ضجراً، أمشي في الصحن الأعظم من الدار، فلقيت يوحنا الطبيب الأهوازي النصراني، فقال: يا أبا علي افتصد الساعة، وإلا طعنت.
فقلت: أمس افتصدت.
قال: فحل إزارك، وسراويلك.
قال: فوقفت، وفعلت ذلك.
فقال لي: لو لم يتغير لونك إلى الإسفار، لفصدتك ثانية.
قال: فعجبت من فطنته واجتماع الدم في وجهي، ومعالجته بسرعة.
طبيب يتحدث عن بعض خواص النارنج
وحدثني أبو علي، قال: دخل يوحنا يوماً إلى داري، وبحضرتي مطاولات كثيرة، فيها نارنج، فحين رآها، قال يوحنا: منذ كم هذه الأطباق عندك؟ فقلت: منذ أيام.
فقال: إنا لله، تقدم برفعها الساعة، وإلا لم أجلس وهي أمامي.
فقلت: شيلوها.
ثم قلت: ما السبب في هذا؟ فقال: إن النارنج خاصيته أن يرعف، وإنه لا يرعف أحد عقيب إدمانه شمه رعافاً يكون سببه شمه أو بالاتفاق، إلا يدوم رعافه إلى أ، يموت، فلا حيلة فيه.
من شعر أبي القاسم الصروي
أنشدني أبو القاسم الصروي لنفسه:
ويوم كيوم البين حراً قطعته ... على سابح طاوي الأياطل سابق
أخوض عليه جمرة القيظ حاسراً ... كأني على الهجران في قلب عاشق
الجزء الثالث
الأمين لا يتهم
حدثني أبو العباس محمد بن نصر الشاهد، قال: كان أبو عبد الله جعفر بن قاسم الكرخي، كتب إلى أبي جعفر بن معدان، أن يختار له وكيلاً، ينظر له في ضيعته بالأهواز، فاختار له عمر بن محمد الأشجعي، صاحبه، فنظر في الضيعة سنين.
ثم ولي الكرخي الأهواز، ووردها، فطالب الأشجعي بالحساب، فرفعه، وتتبعه كاتبه، فخرجوا عليه فيه ستة آلاف دينار.
فأمر الكرخي، فلوزم الأشجعي في دهليزه، وطولب بالمال، فكتب إلى ابن معدان بخبره.