فقالت: لا عليك، أنا فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهذا رأس ابن الحسين، عليه السلام، قولي لابن أصدق عني أن ينوح:
لم أمرضه فأسلو ... لا ولا كان مريضا
فانتبهت فزعة.
قال: وقالت العجوز: لم أمرطه، بالطاء، لأنها لا تتمكن من إقامة الضاد، فسكنت منها إلى أن نامت.
ثم قال لي: يا أبا القاسم مع معرفتك الرجل، قد حملتك الأمانة، ولزمتك، إلى أن تبلغها له. فقلت: سمعاً وطاعة، لأمر سيدة نساء العالمين. قال: وكان هذا في شعبان، والناس إذ ذاك يلقون جهداً جهيداً من الحنابلة، إذا أرادوا الخروج إلى الحائر.
فلم أزل أتلطف، حتى خرجت، فكنت في الحائر، ليلة النصف من شعبان.
فسألت عن ابن أصدق، حتى رأيته.
فقلت له: إن فاطمة عليها السلام، تأمرك بأن تنوح بالقصيدة التي فيها:
لم أمرضه فأسلو ... لا ولا كان مريضا
وما كنت أعرف القصيدة قبل ذلك.
قال: فانزعج من ذلك، فقصصت عليه، وعلى من حضر، الحديث، فأجهشوا بالبكاء، وما ناح تلك الليلة إلا بهذه القصيدة، وأولها:
أيها العينان فيضا ... واستهلا لا تغيضا
وهي لبعض الشعراء الكوفيين.
وعدت إلى أبي الحسن، فأخبرته بما جرى.
كان الناس لا يستطيعون النياحة
على الحسين عليه السلام خوفاً من الحنابلة
قال أبي، وابن عياش: كانت ببغداد، نائحة مجيدة حاذقة، تعرف بخلب، تنوح بهذه القصيدة.
فسمعناها في دور بعض الرؤساء، لأن الناس إذ ذاك كانوا لا يتمكنون من النياحة إلا بعز سلطان، أو سراً لأجل الحنابلة.
ولم يكن النوح إلا مراثي الحسين وأهل البيت علهم السلام فقط، من غير تعريض بالسلف. قالا: فبلغنا أ، البربهاري، قال: بلغني أن نائحة يقال لها: خلب، تنوح، اطلبوها فاقتلوها.
عناية رسول الله صلوات الله عليه
بأبي حسان الزيادي
حدثني أبي رضي الله عنه، بإسناد ذكره أن أبا حسان الزيادي، كان من وجوه فقهاء أصحابنا، ومن غلمان أبي يوسف، وكان من أصحاب الحد يث.
وكان تقلد القضاء قديماً، ثم تعطل، فأضاق، فلزم مسجداً حيال داره، يفتي، ويدرس الفقه، ويؤم، ويحدث، وإضاقته كل يوم تزداد، وهو يطلب التصرف، أو الرزق، ولا يظفر به، وقد نفد ما عنده، وباع كل ما يملك، وركبه دين عظيم.
إذ جاءه يوماً رجل خراساني، وقد حضر وقت خروج الناس من بغداد إلى مكة.
فقال له: إني أريد الخروج إلى الحج، وهذه عشرة آلاف درهم معي، تقبلها وديعة لي، فإن رجعت من الحج رددتها علي، وإن رجع الناس ولم أرجع، فاعلم أني هلكت، وهي لك هبة حلالاً.
قال أبو حسان: فأخذتها إلى منزلي، وقصصت على زوجتي الخبر.
فقالت: نحن في ضر شديد، فلو تصرفت فيها من الآن، وقضيت د ينك، واتسعت، فلعل الله يجعلها لك، فتكون قد تعجلت العيش.
فقلت: لا أفعل.
فما زالت في يومي وليلتي، تحملني على ذلك، حتى أجبتها إليه من غد، ففضضت الختم عن الكيس، وقضيت منه ديني، وتأثثت، وتوسعت في منزلي، واشتريت ثياباً لي، ولها، ولبناتي، وأصلحت جميع أمري بنحو خمسة آلاف درهم من ذلك.
ومضى على هذا الحديث ثلاثة أيام، أو أربعة، فانفتلت يوماً عن الصلاة، فإذا بالخراساني ورائي.
فلما رأيته قامت قيامتي، وقلت: ما لك؟ فقال: قد اصرفت عن السفر إلى مكة، وأريد المقام ببغداد، فتر إلي تلك الوديعة.
فقلت له: لست أتمكن من ذلك الساعة، فتجيئني غداً غدوة.
فنهض ونهضت إلى منزلي، وما بي طاقة للمشي، فيما بين المسجد وبيتي.
فدخلت، وسقطت مغشياً علي، واجتمع أهلي.
فلما أفقت قالوا: ما دهاك؟ قلت: أنتم حملتموني على التصرف في مال الخراساني، وقد جاءني الساعة يطلبه، فكيف أعمل؟ الآن أفتضح،ويذهب جاهي، وأهلك بين الناس، وأحبس، فأموت ضراً وغماً.
فبكوا، وبكيت.
وجاءت المغرب، فلم أقدر على الخروج إلى المسجد، وكذلك العشاء، ثم قمت، فصليت في البيت.
فقلت:هذا أمر لا يكشفه إلا الله، وليس لي إلا التضرع إليه، فجددت طهوراً، وصففت قدمي في المحراب، أصلي، وأبكي، وأدعو حتى ختمت القرآن، وقد كاد أن يطلع الفجر، وما اكتحلت غمضاً.
فقلت لأهلي:الساعة يجيء الرجل إلى المسجد، فكيف أعمل؟ فقالوا: لا ندري.
فقلت: أسرجوا لي، وكانت لي بغلة أركبها.