كنت بحضرة القاضي أبي عمر، بعد قبوله شهادتي بمدة، على خلوة وأنس، فجرى حديث الملاهي.
فقلت: فلان يضرب بالرباب.
قال: فصاح علي القاضي أبو عمر، وقال: هاه، هوذا تهزأ بنا، هوذا تنمس علينا؟ ما هذا الكلام؟ فقلت: ما هو أيد الله القاضي؟ فوالله، ما أدري أني قلت شيئاً يتعلق بما قاله القاضي.
فقال: قولك يضرب، كأنك لا تعلم أن الرباب يجر حتى يسمع صوته، ولا يضرب به.
فحلفت له بأيمان مغلظة أني ما علمت هذا، ولا رأيت الرباب قط.
فقال: إن هذا أقبح، سبيل الصالح أن يعلم طرق الفساد ليجتنبها على بصيرة، لا على جهل. فعدت إلى داري، فقلت لسائس كان معي: ويلك اطلب لي ربابياً.
فطلبه، وجاء به، فجره بين يدي، فرأيته، فكان ما فاله أبو عمر صحيحاً.
القاضي أبو عمر يتردد في قبول
شهادة شاهد تظاهر بالانزعاج من رائحة الخمر
قال: واجتاز أبو عمر بطريق قد كسر فيه دن خمر، ومعه بعض الشهود، فقال الشاهد: شه، شه، أفيه، أفيه، فأمسك عنه.
فلما جاء في المجلس ليقيم شهادة لزمته، توقف عن استماعها، فقامت قيامة الشاهد، وطرح عليه من يسأله.
فقال: هذا كذاب أو جاهل، فلا يسعني قبوله، وذكر حديث الخمر.
وقال: ليس تحريمها يقلب رائحتها من الطيب إلى النتن، حتى يقول هذا ما قاله، وما قاله إلا وهو يعلم أن رائحتها طيبة، فنمس وكذب، أو هو جاهل بهذا القدر، فلا أقبله.
قواد ابن قواد
حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد، قال: حدثني بعض الكتاب، قال: سافرت وجماعة من أصدقائي، نريد مصر للتصرف.
فلما حصلنا بدمشق، كان معنا عدة بغال، عليها ثقل وغلمان لنا، ونحن على دوابنا، أقبلنا نخترق الطرق لا ندري أين ننزل.
فاجتزنا برجل شاب، حسن الوجه والثياب، جالس على باب دار شاهقة، وفناء فسيح، وغلمان بين يديه وقوف.
فقام إلينا، وقال: أظنكم على سفر، ووردتم الآن؟ فقلنا: نحن كذلك.
فقال: فتنزلون علي.
وألح علينا، وسألنا، فاستحيينا من محله، وحسن ظاهره، وهيبته، وحططنا على بابه، ودخلنا. وأقبل أولئك الغلمان، يحملون ثقلنا، ويدخلون الدار، ولا يدعون أحداً من غلماننا يخدمنا، حتى حملوه بأسره، في أسرع وقت.
وجاءونا بالطساس والأباريق، فغسلنا وجوهنا، وأجلسونا في مجالس حسنة، مفروشة بأنواع الفرش الذي لم نر مثله.
وإذا الدار في نهاية الحسن والفخر والكبر، وفيها دور عدة، وبستان عظيم، وصاحب المنزل يخدمنا بنفسه.
وعرض علينا الحمام، فقلنا نحن محتاجون إليه، فأدخلنا إلى حمام في الدار في نهاية السرو، ودخل إلينا غلامان أمردان وضيئان، في نهاية الحسن فخدمانا بدلاً من القيم والمزين، وأخرجنا من الحمام، إلى غير ذلك المجلس، فقدم إلينا مائدة حسنة جليلة، عليها من الحيوان، وفاخر الطبيخ، والألوان، ونادر الخبز، وغريب البوارد، وكل شيء.
وإذا بغلمان مرد، في نهاية الحسن والزي، قد دخلوا إلينا، فغمزوا أرجلنا، فلحقنا من ذلك، مع الغربة وطول العهد بالجماع، عنت، فأمرناهم بالانصراف، وفينا من لم يستحل التعرض لهم، وتعفف عن ذلك، لنزولنا على صاحبهم.
ثم انتبهنا، فنقلنا إلى مجلس آخر على صحنين، في أحدهما بستان حسن، فأخرج إلينا من آلات النبيذ كل طريف ظريف، وأحضر من الأنبذة، كل شيء طيب حسن.
وشربنا أقداحاً يسيرة، ثم ضرب بيده إلى ستارة ممدودة، فإذا بجوار خلفها، فقال: غنوا، فغنى الجواري اللواتي كن خلفها، أحسن غناء وأطيبه.
فلما توسطنا الشرب، قال: ما هذا الاحتشام لأضيافنا أعزهم الله؟ أخرجن، وهتك الستارة.
قال: فخرج علينا جوار لم نر قط أحسن، ولا أملح، ولا أظرف منهن، من بين عوادة، وطنبورية، وكراعة، وربابية، وصناجة، ورقاصة، وزنافة، بثياب فاخرة وحلي، فغنيننا، واختلطن بنا في المجلس والجلوس، وكان تجنبنا أشد، وانقباضنا أكثر، وضبطنا أنفسنا أعظم. فلما كدنا أن نسكر، ومضت قطعة من الليل، أقبل صاحب الدار علينا، وقال: يا سادة، إن تمام الضيافة، وحقها، الوفاء بشرطها، وأن يقيم المضيف بحق الضيف في جميع ما يحتاج إليه من طعام، وشراب، وجماع، وقد أنفذت إليكم نصف النهار بالغلمان، فأخبروني بعفافكم عنهم، فقلت: لعلهم أصحاب نساء، فأخرجت هؤلاء، فرأيت من انقباضكم عن ممازحتهن، ما لو خلوتم بهن، كانت الصورة واحدة، فما هذا؟